شاركت يوم أمس في ورشة عمل بعنوان «الذكاء الاصطناعي في قيادة المؤسسات الثقافية»، والتي تنظمها جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات لمدة يومين، وتستضيفها الجامعة الأمريكية في دبي، بكل صراحة فتحت لي هذه المشاركة مجالاً كبيراً للتأمل في التطورات والتحولات العميقة التي يشهدها عالم المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي، تبادرت إلى ذهني العديد من التساؤلات تتجاوز التكنولوجيا وما تحدثه من تغييرات، تساؤلات حول الفلسفة القيادية وطبيعة ومستقبل العمل الإداري والمؤسسي، وصولاً إلى الدور المعرفي والثقافي للمؤسسات الثقافية والأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
في الحقيقة لم يشغلني سؤال كيف نتعلم استخدام الذكاء الاصطناعي؟.. ففي اعتقادي أن الجميع يمكنهم تعلمه والاستفادة منه، فميزات الذكاء الاصطناعي محفزة للجميع لتعلم استخدامه، وهنا أعني ميزة الحصول على المعلومات ففي عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت المعرفة والبحث عن المعلومات سهلاً وسريعاً، والمعلومات متوفرة بكثرة ولا نعاني من ندرتها كما كان سابقاً.
أصبحنا اليوم قادرين على الحصول على المعلومات والإجابات عن كل التساؤلات مهما كانت صعبة ومعقدة وكل ذلك يحدث في دقائق معدودة إن لم يكن مجرد ثوانٍ، هذا التحول الخيالي الذي لم يتوقعه معظم البشر يحمل لنا فرصاً استثنائية وعظيمة، لكن في مقابل هذه الفرص والميزات علينا أن نطرح ونناقش سؤالاً مهماً وعميقاً هو: هل نحن مقبلون على عصر يمتلك جيله أدوات المعرفة التي توفر له الحصول على إجابات بكل سهولة وسرعة؟.. لكن لا يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة وفهمها وتحليلها ونقدها؟
من وجهة نظري، هنا تقع الإشكالية ومكمن الخطر، فالمعرفة ليست مجرد معلومات نستحضرها عند حاجتنا إليها، ولا إجابات جاهزة ومعلبة توفرها لنا تطبيقات الذكاء الاصطناعي، المعرفة عملية عقلية تتشكل عن طريق التفكير وطرح التساؤلات واستخدام التحليل وأدواته والبحث والمقارنة المنهجية والتفكير النقدي.
صراحة أكثر ما يزعجني ويخيفني ليس تراجع الحاجة للمعلومات، بل تراجع الإنسان عن بذل جهد ذهني لازم وضروري لفهم واستيعاب وتحليل المعلومات التي يطلبها ويحتاج إليها، والخوف من تعطيل التفكير، بالتالي تعطيل العقل وتسليمه لبرنامج أو تطبيق ليفكر ويقرر ويختار ويقيّم بدلاً من الإنسان.
منذ عقود طويلة، اعتادت المؤسسات التعليمية قياس التحصيل العلمي عبر تقديم الطالب إجابات صحيحة، لكن اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت الإجابات متاحة ومتوفرة للجميع إلى حد كبير، وأصبح بالإمكان كتابة وإنتاج بحوث ودراسات وتقارير متماسكة، لكن ليس بالضرورة أنها تعبر أو تعكس فهم مقدمها، إذاً من الضروري علينا أن نميز بين من يكتفي بنقل المعرفة ومن يفكر ويفهم.
في واقع اليوم هناك أشخاص من الناحية الظاهرية أكثر إنتاجاً، لكنهم أقل استقلالاً من الناحية الفكرية، فعلى سبيل المثال يستطيعون إنجاز تقرير خلال دقائق لكن لا يستطيعون الدفاع عن الاستنتاجات، ويمكن أن يعرضوا تحليلاً ولا يستطيعون تفسير الافتراضات التي بُني عليها التحليل، وربما يملكون الإجابات لكن لا يستطيعون التمييز بين الصحيح والمضلل.
ولهذا علينا الحذر من تحميل مسؤولية سطحية الفكر على الذكاء الاصطناعي، وإلا سنكون سطحيين بتبسيط المشكلة، فالتكنولوجيا وما نتج عنها من أدوات وبرامج وتطبيقات لم تفرض علينا التخلي أو إلغاء التفكير، وإذا ركزنا سنجد من أعتاد على السؤال والبحث والمراجعة والتحليل والنقد العلمي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع مداركه ومعرفته، أما من اعتاد البحث عن الحلول السهلة وجد ضالته في تجنب الجهد العقلي والفكري.
لذا أرى أن التحديات الحقيقية التي يمكن أن تواجه المؤسسات الأكاديمية هي إعادة النظر في فلسفة التعليم وآليات وطرق التقييم، فلم يعد كافياً أن يكتب الطالب بحثاً ويسلمه لأستاذه، بل ينبغي مناقشته بداية من فكرة البحث وإشكاليته مروراً بالمنهج وأدوات البحث والنتائج التي توصل إليها، واختبار قدرة الطالب على الدفاع عن بحثه أمام أسئلة علمية نقدية، وهنا لا بد من الإشارة إلى تجربة جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في بحوث التخرج لطلبة البكالوريوس، حيث يتوجب على الطالب عرض بحثه أمام لجنة أكاديمية تفكك بحثه وتناقشه في إشكالية البحث ونتائجه، وعلى الطالب الدفاع عن بحثه ونتائجه لاجتياز المناقشة والتخرج.
