رسالة محمد بن راشد.. الخليج أكبر من خلافاته

جاءت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى أبناء الخليج لتؤكد حقيقة قد تغيب أحياناً وسط ضجيج الأحداث والمواقف: أن ما يجمع شعوب الخليج أكبر من اختلافاتها، وأن الروابط التي صنعها التاريخ والجوار والمصير المشترك لا ينبغي أن تتأثر بما تفرزه الظروف المتغيرة من تباينات أو حساسيات.

ولم تكن الرسالة مجرد استعادة للعلاقات التاريخية والاجتماعية بين أبناء المنطقة، بل دعوة إلى النظر نحو المستقبل، وإلى إدراك ما يستطيع الخليج تحقيقه حين تتكامل قدراته وتتقارب طموحاته، من دون أن تتخلى دوله عن خصوصياتها أو تجاربها المختلفة.

ولعل أول ما يلفت النظر في هذه الرسالة أنها لم تتوجه إلى القادة أو المسؤولين، وإنما إلى أبناء الخليج وأجياله ومثقفيه ومفكريه، فالعلاقات بين الدول لا تقوم على الاتفاقيات والمصالح السياسية والاقتصادية وحدها، وإنما تستند أيضاً إلى ما يربط شعوبها من وشائج إنسانية وثقافية واجتماعية، وهي روابط لا تنشأ بقرار سياسي ولا تنتهي بتغير الظروف.

يقول محمد بن راشد إن الذي جمع الخليج لم يكن اتفاقيات سياسية، وإنما أجيال عاشت على ضفافه، وأمهات انتظرن عودة أبنائهن، وآباء جمعهم الدين على ترابه.

وفي هذه الإشارة استعادة لحقيقة تاريخية يعرفها أبناء المنطقة جيداً. فالخليج لم يكن في يوم من الأيام مجرد مجموعة من الكيانات السياسية المتجاورة، بل فضاء إنساني واجتماعي واحد، تنقلت فيه العائلات والتجارة والثقافة والعادات، قبل أن تتشكل الدول الحديثة بحدودها ومؤسساتها.ولذلك فإن الحديث عن وحدة الخليج لا ينبغي أن يُفهم دائماً بمعناه السياسي أو التنظيمي.

فهناك وحدة أعمق، صنعتها الحياة اليومية على امتداد قرون، وما زالت حاضرة في الذاكرة واللغة والعلاقات الاجتماعية. وهذه الوحدة، مهما تغيرت الظروف، تبقى رصيداً لا يجوز التفريط فيه.

لكن الرسالة لا تتوقف عند الماضي، ولا تجعل من التاريخ وحده ضمانة للمستقبل. وهنا تكمن إحدى أهم دلالاتها. فمحمد بن راشد، الذي ارتبط اسمه بتجربة تنموية تقوم على استشراف المستقبل وتحويل الطموحات إلى مشروعات، ينظر إلى الخليج أيضاً من زاوية ما يستطيع أن يحققه إذا أحسن توظيف إمكاناته المشتركة. لقد حققت دول الخليج خلال عقود قليلة تحولات اقتصادية وعمرانية واجتماعية يصعب تجاهلها.

وانتقلت مدنها من موانئ صغيرة واقتصادات محدودة إلى مراكز عالمية للتجارة والطيران والاستثمار والطاقة والخدمات. ولم تعد المنطقة مجرد مصدر للنفط والغاز، بل أصبحت شريكاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي، وصاحبة تجارب تنموية تستحق الدراسة.

غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، تطرح سؤالاً يتجاوز ما حققته كل دولة على حدة: ماذا يمكن أن يحقق الخليج إذا أصبحت قدراته المتنوعة أكثر تكاملاً، ومؤسساته أكثر تنسيقاً، ومشروعاته أكثر ارتباطاً بمستقبل مشترك؟ هذا السؤال هو، في تقديري، أحد المفاتيح الأساسية لفهم الرسالة.

فحين يقول محمد بن راشد إن تقارب الطموحات والثروات وهمّة أبناء الخليج يجعل المستحيلات مجرد مشروعات لم تبدأ بعد، فإنه لا يكتفي بالتعبير عن أمنية، بل يشير إلى إمكانات واقعية تمتلكها المنطقة، ويمكن أن تتضاعف قيمتها بالتعاون والتكامل.

واللافت أنه يحرص على توضيح أنه لا يدعو إلى اتحاد بين الدول، ولا إلى تجاهل خصوصية تجاربها، وإنما إلى التقارب والتعاون وإدارة الاختلافات وتقوية المؤسسات وتنسيق الجهود. وهذا تمييز بالغ الأهمية، لأنه ينقل مفهوم الوحدة من البحث عن التشابه الكامل إلى الاعتراف بالتنوع باعتباره مصدر قوة، شرط أن تحسن الدول إدارته.فليس مطلوباً من دول الخليج أن تكون نسخاً متطابقة في خياراتها الاقتصادية أو نماذجها التنموية أو أولوياتها الوطنية. والتنافس بينها، حين يكون تنافساً على الإنجاز والابتكار واستقطاب المعرفة والاستثمارات، يمكن أن يكون حافزاً للتقدم. لكن قيمة هذا التنافس تتراجع إذا غابت عنه الرؤية الأوسع للمصلحة المشتركة.

وفي الرسالة أيضاً تحذير يستحق التوقف عنده، حين يقول محمد بن راشد: «لن تجمعنا ساحات الجغرافيا والتاريخ والدم وتفرقنا ساحات الإعلام».

وهي عبارة تختصر مسؤولية كبيرة تقع على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وعلى المثقفين وأصحاب الرأي بصورة خاصة.

فالإعلام قادر على تعزيز المعرفة المتبادلة بين المجتمعات، كما يستطيع، حين يفقد اتزانه، أن يحوّل الاختلاف في الرأي إلى خصومة، والتنافس إلى استعداء، والحوادث العابرة إلى أحكام عامة على الشعوب.

وفي عصر أصبحت فيه الكلمة تنتشر خلال ثوانٍ، وتختلط فيه المعلومات بالشائعات والانفعالات، لم تعد مسؤولية الإعلام أقل أهمية من أي وقت مضى.ولا تعني هذه المسؤولية تجاهل الاختلافات أو الامتناع عن النقد، وإنما ممارستهما بوعي يحترم الحقائق ولا يمس الروابط الإنسانية بين الشعوب.

فالمصلحة الخليجية لا تتحقق بإسكات الأصوات المختلفة، بل بوجود خطاب عقلاني يعرف كيف يميز بين النقد والإساءة، وبين اختلاف المواقف والعداء للآخر.ولعل من المهم أيضاً ألا تتحول الدعوة إلى التقارب إلى مجرد خطاب وجداني نستعيده في المناسبات.

فالمشاعر المشتركة، مهما كانت صادقة، تحتاج إلى ما يترجمها في الواقع، من تعاون اقتصادي وعلمي وثقافي، ومن فرص أوسع للشباب، ومن مشروعات تجعل المواطن الخليجي يشعر بأن انتماءه إلى هذه المنطقة يفتح أمامه آفاقاً إضافية للمستقبل.

لقد أثبتت التجربة الخليجية أن بناء المدن والمؤسسات والاقتصادات الحديثة ممكن خلال زمن قصير نسبياً حين تتوافر الإرادة والرؤية والموارد.

أما المحافظة على هذا المنجز وتطويره في عالم تزداد فيه المنافسة والتحديات، فتحتاج إلى قدر مماثل من الحكمة في إدارة العلاقات والمصالح المشتركة.

من هنا تأتي أهمية رسالة محمد بن راشد. فهي لا تطلب من أبناء الخليج أن يتجاهلوا الواقع، وإنما تدعوهم إلى ألا يسمحوا للواقع المتغير بأن يحجب عنهم حقائق أكثر ثباتاً: التاريخ الذي يجمعهم، والمصالح التي تربطهم، والمستقبل الذي يستطيعون صناعته معاً.

لقد بنى أبناء الخليج خلال عقود ما كان يبدو مستحيلاً قبل أجيال قليلة. وما يدعو إليه محمد بن راشد اليوم هو ألا تضيع وسط انشغالات الحاضر فرصة بناء مستقبل أكبر وأفضل، فالتاريخ الذي جمع أبناء الخليج لم يكن من صنعهم، أما المستقبل فهو مسؤوليتهم جميعاً.