صراع أمريكي ــ صيني متفاقم

مما لا شك فيه أن تنافساً متصاعداً بين الولايات المتحدة والصين يجري على جميع الصعد، وفي مختلف الاتجاهات منذ سنوات..

ولئن ظل مسرح التنافس بعيداً عن منطقتنا في الماضي، فإنه اليوم في قلبها بسبب سياسات النظام الإيراني الحمقاء وألاعيبه الشيطانية الهوجاء التي جرت القطبين الأمريكي والصيني إلى مياه الخليج.

والمعروف أن بكين بذلت جهوداً مضنية ومتكررة لدخول المنطقة وإيجاد موطئ قدم استراتيجي فيها منذ ستينيات القرن الماضي، لكنها فشلت مراراً وتكراراً بسبب طبيعة نظامها الشيوعي وسياساتها الثورية القديمة، وبعد أن تغيرت واعتمدت سياسة الانفتاح الاقتصادي نجحت في إقامة علاقات وروابط دبلوماسية واقتصادية مع مختلف دول الخليج، وبات حضورها بارزاً في منطقة تعتبر تاريخياً من مناطق النفوذ الاستراتيجي لواشنطن والغرب..

ووجدت بكين في إيران، ما بعد الشاه، مدخلاً مناسباً لمزاحمة النفوذ الغربي في الخليج، مستغلة العداء الإيراني ــ الأمريكي المتفاقم منذ عام 1979 من جهة، ووجودها القوي في باكستان المجاورة لإيران من جهة أخرى.

واليوم وبعد كل الذي حدث في بحر الخليج، تبدو الصورة للمراقب أن بكين لا تحبذ اشتباكاً مباشراً مع واشنطن في الخليج حفاظاً على مصالحها وتجارتها ووارداتها النفطية، لكن خلف هذه الصورة صراعاً بأدوات مختلفة قد لا تبدو ظاهرة للعيان.

والإدارة الأمريكية الحالية ليست من الغباء كي تقتنع أن بكين لا تشارك سراً في إطالة الحرب ضد عدوتها الإيرانية، وإنقاذ النظام الإيراني من الهلاك المحتم..

فهي تراقب ولديها من الإمكانيات والأعين الراصدة ما يكتشف كل ما يجري خلف ظهرها، وإنْ قالت بكين أنها على الحياد، وترغب في بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وتعارض عسكرة المضيق.

تعلم واشنطن أن هناك روابط سياسية واقتصادية وتكنولوجية وعسكرية ونفطية وطيدة ومباشرة بين بكين وطهران، كان أحد شواهدها مناورات بحرية مشتركة، ومشتريات من النفط الإيراني المهرب، وتسهيلات لحصول الإيرانيين على سلع صينية ذات استخدام مزدوج، الأمر الذي يجعل من خطط واشنطن واستراتيجياتها أكثر تعقيداً.

أما ما جرى مؤخراً خلال القمة الاحتفالية التي جمعت الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بنظيره الصيني شي جينبينغ، من تبادل عبارات الإشادة والود والتفاهم والاتفاق، فهي لا تعدو كونها دبلوماسية لتأخير الضرر وإرجاء الخطر، وترحيل الحسم إلى وقت آخر.

حيث إن موضوع إسقاط النظام الإيراني ومنعه من امتلاك قدرات نووية بات من الأمور التي لا تراجع فيها بالنسبة للبيت الأبيض على ما يبدو، وإن عودة الصين إلى سياسة المناورة في زمن الحرب، وهي التي شكلت خلال الصراع الأخير شريان الحياة الاقتصادية لطهران، ووفرت عمليات الشراء والنقل خرقاً للعقوبات، وأسهمت في جعل مصافيها المستقلة تلعب دوراً محورياً وكبيراً في الشراء لكونها أقل عرضة لتأثيرات النظام المالي الغربي مقارنة بشركات النفط المملوكة للدولة الصينية.

حتى الآن ردت واشنطن بجملة إجراءات مثل توسيع نطاق العقوبات المفروضة على الشركات والتجار وشبكات الخدمات اللوجستية الصينية المرتبطة بالنفط الإيراني، وعلى التقنيات الحساسة وعلى شبكات توريد السلع الصينية، لا سيما تلك المرتبطة بالأبحاث النووية وتطوير الصواريخ.

وذلك بناء على تقارير استخباراتية أفادت بأن موردين صينيين زودوا الإيرانيين بشحنات من المكونات ذات الاستخدام المزدوج تشمل الإلكترونيات ومواد أخرى من شأنها دعم الأنظمة العسكرية وعمليات تصنيع وتطوير الطائرات المسيرة، هذا ناهيك عن تقارير أخرى أفادت بأن كيانات صينية قدمت لطهران صوراً التقطتها الأقمار الصناعية الصينية لمنشآت عسكرية أمريكية وغربية في المنطقة. كل هذا وأكثر تعلمه واشنطن، لكنها تحاول جاهدة ألا تقدم على عمل مضاد يدفع الصينيين للتورط أكثر فأكثر مع النظام الإيراني.

صحيح أن الصين والولايات المتحدة لا تتواجهان عسكرياً في الخليج في الوقت الراهن، لكن الصحيح أيضاً هو أن المنطقة صارت، شئنا أم أبينا، ساحة تختبر فيها الدولتان قدرتهما على توجيه الأحداث وصياغة المعادلات خارج حدودهما، في ظل توجه أمريكي يعتمد سياسة العقوبات والضغطين الاقتصادي والعسكري على الخصم، مقابل توجه صيني يعتمد على تقوية نفوذه من خلال دعم عدو خصمها دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وعليه نقول إن عدم كفّ بكين عن محاولاتها للإبقاء على النظام الإرهابي الإيراني، والاستمرار في سياسة نفي التهم عن نفسها، سيزيد من توتر علاقاتها مع واشنطن، وقد يصل التوتر إلى اشتباك لا مفر منه ولا يريده أحد في مياه الخليج بين القطبين الكبيرين.