أبناء الخليج.. التاريخ والهوية والمصير

«رسالة إلى أبناء الخليج»، هي رسالة يستعيد فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، صدى قصة عميقة المحتوى هي القصة التي نشرها بعنوان «التعاون» في سيرته الذاتية الأولى «قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً».

حيث استعرض فيها تطلعاته إلى الارتقاء بأشكال التعاون بين دول الخليج العربي، لا سيما بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي في أبوظبي بتاريخ 25 مايو عام 1981، حيث كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في منتصف الثلاثينيات، حيث يقول في وصف مشاعره بتلك اللحظة التاريخية الخالدة:

«كنتُ من أكثر المتفائلين بمجلس التعاون الخليجي عندما تم إنشاؤه، لأنني أعرف أن القوة ليست في الفردية بل في نبذ الفردية، فالتعاون سيجعلنا أقوى وأغنى وأعظم من أي دولة أخرى في المنطقة، كنت أعرف إمكانيات دول الخليج مجتمعة، إمكانياتنا الهائلة، ثرواتنا الضخمة، مجتمعاتنا المتقاربة، مخاوفنا المشتركة، طموحاتنا العالية، حكوماتنا المستقرة، لا يوجد لدينا أي عذر».

وها هو اليوم يستعيد صدى تلك العاطفة الصادقة والنظرة الثاقبة حين يخصص سموه هذه الرسالة لأبناء الخليج ويكتبها بنبرة صادقة وقلب يحب الخير لأبناء هذه البلاد ولجميع أبناء العروبة والإسلام، فهو قائد كبير القلب واسع الرؤية، يجمع بين القول والفعل، ولا يعرف إلا الوفاء سبيلاً للتعامل مع الآخرين حتى في السياسة التي لا تخفى دهاليزها على أصحاب البصائر.

وقد أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في صياغة هذه الرسالة واسعة الأفق، نقية الكلمات، صادقة المشاعر حين افتتحها بقوله:

«رسالةٌ إلى الحلم الأجمل، رسالة إلى التاريخ الواحد والجغرافيا الممتدة، والأنساب المشتركة، والقرابات الراسخة، رسالة إلى البحر الواحد الذي يجمعنا، والصحراء الفسيحة التي تضمنا، رسالة إلى خليجنا العربي وأبنائه وأجياله ومثقفيه ومفكريه».

وواضح ما في هذا المطلع من قوة العاطفة وتلاحم المصير على مستوى الجغرافيا والتاريخ والإنسان، لتندفع الرسالة بعد ذلك إلى رسم صورة بديعة للحياة وتحولاتها بين الماضي والحاضر، مستشعرة فضل الله تعالى ومنته على شعوب هذه المنطقة التي أغدق الله عليها بالنعم بعد المرور بحياة قاسية هي جزء من طبيعة العيش في الصحراء اللاهبة، وتأمل هذا الجمال في التصوير حين يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد واصفاً هذه التحوّلات:

«نحن أبناء الخليج: انتقلنا جميعاً بفضل من الله من مدن بسيطة إلى حواضر عالمية، ومن موانئ صيد متواضعة إلى ملاحة الطرق الدولية، ومن البحث عن اللؤلؤ إلى البحث عن أضخم استثمارات العالم، انتقلنا إلى الحداثة والبراعة والعولمة، وبقينا بحمد الله أصحاب هوية قوية، وثقافة متفردة، وأصالة متميزة».

لتكون هذه الكلمات الصادقة نبراساً يضيء الطريق أمام كل الأجيال الساعية في رؤية الخليج قوياً منيعاً يعتد بأصالته الحضارية وهويته الذاتية وينخرط بكل قوة في معركة الحياة وصناعة الأصالة المعاصرة من جميع الجهات، فالخليج ليس موطناً للثروات فقط، بل هو جغرافيا متميزة يسكنها فرسان العرب الذين حملوا مشعل النور في الزمن القديم، وما زال العالم يتطلع إليهم باعتبارهم ورثة ذلك المجد القديم، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «نحن أبناءُ الخليج أمل الأمة وقبلتها، ورجاؤها لاستئناف حضارتها وقوتها ومجدها».

وتزداد عاطفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تدفقاً وتوهجاً حين يربط على نحو بديع بين ماضي الخليج وحاضره وأثر ذلك في بناء الأوطان، فيقول:

«إذا كانت الأوطان تُبنى بالتاريخ فالتاريخ يجمعُنا، وإذا كانت توحدها التضاريس فالبحر يربطنا والصحراء تضمنا، وإذا كانت الأوطان يجمعها الدم والنسب فنحن أصحاب القرابات الممتدة والأنساب المتحدة، وإذا كانت تبنى بالطموحات المشتركة فغاياتنا سامية وأهدافنا واحدة».

وببصيرة القائد الفذ يحذر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من مغبة التفريط بهذه الروابط الأصيلة التي تجمع بين أبناء الخليج، ويصرح بلغة واضحة أن هناك من يسعده أن يكون الخليج متفرقاً متنازعاً فيقول: «إخواني وأخواتي أبناء الخليج:

لن تجمعنا ساحات الجغرافيا والتاريخ والدم وتفرقنا ساحات الإعلام، ولن تجمعنا التنمية الواحدة وحسابات الاقتصاد المشترك وتفرقنا حسابات التواصل، ولن تجمعنا أجندات التنمية ويفرقنا أصحاب الأجندات الضيقة والنفوس المريضة»، ثم تزداد نبرة التأكيد في كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على تماسك الخليج وتلاحم قادته وشعوبه وضعف أصحاب النفوس المريضة أمام هذه الحالة الرائعة للخليج حين يقول: «لن يستطيعوا محو قرون من الجوار وتبديل حقائق الجغرافيا، وتغيير واقع الأنساب.

فالذي جمع الخليج ليست اتفاقيات سياسية وإنما أجيال عاشت على ضفافه، وأمهات ابتهلت للمولى بعودة أبنائه، وآباء جمعهم الدِّينُ على تُرابه، تلاقت في الخليج القلوب قبل الحدود، وتعانقت فيه الأنساب قبل الأوطان، وازدهرت فيه المحبّة قبل التنمية»، ولذلك كله كان الخليج بحسب عبارة سموه، «شجرةٌ عظيمةٌ تعدّدت أغصانها، وزانت ثمارُها، وازدهرت ظلالها، لكنّ أصلها واحد، وجذرها واحد، وماءها واحد، ومصيرها واحدٌ بإذن الله».

ولكي لا يبقى هذا الكلام مجرد أمنية مثالية يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على أن التطبيق العملي للوحدة يأتي بأفضل الثمار، ثم يضرب مثلاً على ذلك اتحاد الإمارات السبع التي صنعت دولة كبيرة الحضور عميقة التأثير، ويعيش أبناؤها في أرقى مستويات العيش.

وكذلك سيكون الخليج حين تتوحد طموحاته وثرواته، بحيث يصبح المستحيل مجرّد مشروع لم يبدأ بعد، وهنا يلح صاحب السمو على ضرورة التقارب بين دول الخليج وشعوبه ويعلِّل ذلك بقوله:

«تقاربنا يخلق جسراً بين القارات، ومقرّاً لأعظم الحضارات، واحتياطياً عالمياً من أعظم الثروات، ومنارة لأفضل مراكز العلم والتقنية والجامعات، وتأثيراً عالمياً يقف أمام أعظم التحديات»، ليقدم سموه بعد ذلك فهماً نادراً لمفهوم الوحدة حين يقول:

«الوحدة ليست في فتح الحدود، بل في اجتماع القلوب، والقوّة ليست في إلغاء الاختلافات، بل في إدارتها لتوجد حيوية جديدة، والأنهار المختلفة حين تصب في بحر واحد لا تفقد أسماءها، بل توجد محيطاً من الفرص والقوّة والثروة»، ليختم هذه الرسالة التي ترتقي إلى درجة الوثيقة التاريخية بهذه الفقرة المتوهّجة بالأمل حين يقول:

«متفائل بالخليج وسأبقى، الخليجُ باقٍ بإذن الله، بصحرائه، بأبنائه، ببحره وبموانئه، بمشاريعه وهمة أجياله، بفضاءاته التي ستحلق فيها أحلامنا بأن يبقى خليجنا واحداً، وشعبنا واحداً، ينادي بصوتٍ لا ينقطع: أنا الخليجي وأفتخر إني خليجي».