«الرسائل» تجعل الذاكرة إرثاً للأجيال

ما يلفت انتباه العالم عموماً، والمؤرخين والكتاب والمثقفين على وجه التحديد، أن كتابات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تحرص بشكل منهجي دقيق، على تسجيل التجارب التي عاشها، وإعادة النظر فيها بعد مرور السنوات، ثم تقديمها للناس بما تحمله من معرفة ودروس وتأملات.

وقد وجدت في كتابه الجديد «الرسائل» امتداداً لهذه الرؤية التي تمنح الكتابة مكانة خاصة في حياة القائد، وتجعل من الخبرة الشخصية مادة يستطيع الآخرون العودة إليها والتعلم منها.

ولعل الرسالة التي وجهها سموه إلى والدته، المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، تفتح أمام الباحث في التاريخ الاجتماعي باباً يستحق التأمل في قيمة الشهادات الشخصية، وما تستطيع أن تضيفه إلى معرفتنا بالماضي.

في الدراسات التاريخية، تحتل المذكرات والرسائل والسير الذاتية مكانة مهمة بين المصادر الأولية، لأنها تكشف كيف تذكر أصحابها الأحداث، وكيف فهموا الأشخاص الذين شاركوهم حياتهم، وما المعاني التي ظلت مرتبطة بتلك التجارب في وجدانهم.

وتزداد أهمية هذه الشهادات حين تصدر عن شخصية عاشت تحولات تاريخية واسعة، وكانت لها مشاركة مباشرة في صناعة بعض أحداثها.

بالتأكيد يهتم التاريخ الاجتماعي بالعلاقات التي تتشكل داخل المجتمع، وبالخبرات التي يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم..

فحين ندرس مرحلة من تاريخ مدينة، نحتاج إلى معرفة طبيعة الحياة التي كانت تجري في بيوتها، وكيف نشأ أبناؤها، وما المعارف التي انتقلت إليهم، وما المسؤوليات التي اضطلعت بها النساء والرجال في محيطهم الاجتماعي.

وتكتسب دراسة الأسر التي عاصرت التحولات الكبرى أهمية إضافية حين تتوافر عنها شهادات تسمح بفهم العلاقة بين التجربة الشخصية والظروف التاريخية المحيطة بها.

من هنا وجدت أيضاً في رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تثير سؤالاً بحثياً مهماً عن أثر البيئة الأسرية في تكوين الأجيال التي تولت مسؤوليات القيادة والإدارة والعمل العام..

فقد نشأ أبناء الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، والشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، في مرحلة شهدت دبي خلالها تغيرات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، ثم شارك عدد منهم في إدارة شؤون الإمارة والدولة.

ويمكن لدراسة هذه المرحلة أن تتناول ما عرفته الأسرة من قيم وأساليب تربية وتوقعات تجاه الأبناء، وكيف تفاعلت تلك العناصر مع التعليم والخبرة العملية والظروف السياسية والاقتصادية التي أحاطت بنشأتهم.

نحن نعرف كثيراً عن القرارات والمشروعات والأحداث التي غيرت وجه المدن، لأن المؤسسات تحتفظ بالسجلات والمراسلات والوثائق المرتبطة بها.. أما المعرفة بالحياة التي سبقت تلك القرارات، وبالتجارب الأولى للأشخاص الذين اتخذوها، فتحتاج إلى مصادر أخرى..

وقد تساعدنا الشهادات الشخصية على فهم بعض هذه الجوانب، خاصة عندما تتناول سنوات الطفولة والتنشئة والعلاقات الأسرية والتجارب المبكرة التي بقيت مؤثرة في أصحابها.

ولهذا أرى أن القيمة التاريخية لرسالة سموه تتصل أيضاً بما تفتحه من إمكانات للبحث.. فكل معلومة تتضمنها الشهادة يمكن أن تكون مدخلاً إلى سؤال جديد، وكل اسم أو مكان أو حدث يرد فيها قد يقود إلى وثائق أخرى أو روايات موازية..

ويقتضي العمل العلمي التعامل مع الشهادة باعتباره مصدراً يعبر عن تجربة صاحبها ورؤيته، ثم دراستها في ضوء ما يتوافر من مصادر مستقلة. وقد يكتشف الباحث من خلال هذه المقارنات تفاصيل تؤكد بعض الوقائع، أو تفسر ظروفها، أو تكشف جوانب إضافية من الحياة الاجتماعية التي أحاطت بها.

عرفت المجتمعات الإنسانية منذ قرون قيمة الرسائل والمذكرات في حفظ التجارب، وأصبحت المراسلات الخاصة مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي..

وتتطلب دراستها معرفة ظروف كتابتها وتاريخها وطبيعة أحداثها.. كما ينبغي الانتباه إلى أن الذاكرة تستعيد الماضي من موقع الحاضر، وقد تمنح الأحداث معاني مختلفة عما كانت عليه وقت وقوعها، وهو ما يجعل الشهادة الشخصية مصدراً غنياً للتحليل التاريخي.

وإذا كانت رسالة سموه إلى والدته قد دفعتني في الأسبوع الماضي إلى التأمل في مكانة الأم في حياة الإنسان، فإنها تدفعني اليوم إلى التفكير في مسؤوليتنا تجاه الذاكرة التي ورثناها..

فكم من شهادة ما زالت تنتظر من يسجلها، وكم من وثيقة تحتفظ بها أسرة دون أن تعرف ما يمكن أن تضيفه إلى تاريخ مجتمعها، وكم من تجربة عاشها إنسان ثم رحلت معه تفاصيلها.

ولعل من أجمل ما نستطيع أن نتعلمه من مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن نمنح هذه الذاكرة ما تستحقه من عناية، وأن نترك للأجيال المقبلة ما يساعدها على معرفة الحياة التي عاشها من سبقوهم، وفهم الطريق الذي أوصل الإمارات إلى حاضرها.