قد يذهب نتانياهو.. لكن سياساته مستمرة


هل هناك احتمال ألا يتمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، والائتلاف اليميني الحاكم، من الحصول على مقاعد كافية في الانتخابات المقبلة، تمكنه من إعادة تشكيل الحكومة؟ الإجابة هي نعم، وإذا حدث ذلك فما النتائج المتوقعة فيما يخص السياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة وفلسطين وجنوب لبنان وسائر المنطقة؟
هل سنشهد تغيرات واسعة النطاق في هذه السياسات، أم أن السياسات لا تتوقف على شخص رئيس الوزراء أو حتى مجمل أعضاء الحكومة؟ حينما وقعت أحداث 7 أكتوبر 2023 كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن فرص الحكومة في حالة إجراء أي انتخابات تكاد تكون منعدمة، لكن نتانياهو استغل مهاراته ومراوغاته وخبراته السياسية، ما جعله يحسّن من وضعه كثيراً.
آخر الاستطلاعات التي نشرت نتائجها قبل يومين فقط كشفت عن أن حزب «يشار»، بقيادة غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق سيحصل علي 21 مقعداً، والليكود بقيادة نتانياهو على 18، و«معاً»، بقيادة نفتالي بينيت سيحصل على 13 مقعداً، و«الديمقراطيون»، بقيادة يائير جولان 9 مقاعد، و«إسرائيل بيتنا»، بقيادة أفيغدور ليبرمان 8، والعدد نفسه للقائمة العربية المشتركة، و«القوة اليهودية» بقيادة إيتمار بن غفير على 8 مقاعد، والأمر نفسه لـ«يهدوت هتوراه»، أما حزب شاس فسيحصل على 7 مقاعد، والقائمة العربية «رعام» على 6، والأمر نفسه لحزب الصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش.
إذا جمعنا هذه الأرقام فإن معسكر غادي ايزنكوت سيحصل على 48 % مقابل 41 % لمعسكر نتانياهو، في حين أن الأحزاب العربية ستحصل على النسبة الباقية، ورغم تأخر نتانياهو ومعسكره فإن ذلك لا يعني قدرة ايزنكوت على تشكيل ائتلاف من 61 مقعداً، ليضمن الأغلبية في الكنيست المكون من 120 مقعداً، إلا إذا تحالف معسكره مع الكتلة العربية في الكنيست، وهو احتمال صار صعباً لدى أغلبية الأحزاب الإسرائيلية حتى لو كانت معارضة، وإلى أن نعرف النتائج الفعلية بعد انتهاء الانتخابات في 27 أكتوبر الجاري فسنناقش في هذه السطور مدى تأثير هذه النتائج المتوقعة على فلسطين والعرب.
أحد أكبر الأخطاء عند كثير من المراقبين والمحللين والخبراء العرب هو أن فشل نتانياهو في تشكيل حكومة مريحة مع ائتلافه المتطرف سيعني أن كل مشاكل المنطقة سيتم حلها فوراً، ويعم السلام ربوع المنطقة. يعتقد هؤلاء أن المشكلة فقط في شخص نتانياهو أو حكومته، خصوصاً الوزراء الأكثر تطرفاً ربما في كل تاريخ إسرائيل.
ومن خلال متابعة المشهد السياسي الإسرائيلي منذ تشكيل حكومة نتانياهو الحالية في 29 ديسمبر عام 2022، وحتى الآن، فقد بات واضحاً أن هذه سياسات دولة إسرائيل، وليس فقط هذه الحكومة. من الحقائق المهمة التي يتغافلها كثير من المراقبين والمحللين العرب هي أن حزب الليكود بزعامة نتانياهو هو الذي يحكم إسرائيل بصورة شبه دائمة منذ عام 1996 وحتى الآن باستثناء فترات صغيرة متقطعة، صعد فيها حزب العمل بزعامة إيهود باراك. إذاً المسألة باختصار أن الذي يأتي بحكومات الليكود هو الناخب الإسرائيلي، وبالتالي فإن الذي تغير هو تركيبة المجتمع الإسرائيلي، وصار يتجه أكثر فأكثر تجاه اليمين المتطرف.
نتذكر أن حزب العمل ذا التوجهات اليسارية هو الذي حكم إسرائيل معظم الفترات منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 وحتى عام 1996 باستثناء فترات قليلة، حكم فيها «اليمين» خصوصاً فترة تولى حكومة مناحم بيجين، التي وقعّت اتفاق السلام مع مصر عام 1979.
الآن تراجعت شعبية أحزاب اليسار والوسط بصفة عامة، ولم يعد لها تمثيل حقيقي قوي في الكنيست، والدليل على ذلك أن حزب العمل الذي لعب الدور الأكبر في تأسيس إسرائيل بزعامة، ديفيد بين غوريون، لم يعد له في الكنيست حتى بعد تحالفه مع ميرتس، إلا 4 مقاعد وتغير اسمه إلى «الديمقراطيين»، ويرأسه مائير جولان، كما تراجعت شعبية أغلبية أحزاب اليسار والوسط خصوصاً الخضر.
النقطة الجوهرية التي أريد لفت الأنظار إليها ليست في شخص نتانياهو أو بقية أعضاء حكومته، أو حتى المشهد السياسي الإسرائيلي برمته، بل تكمن أساساً في أغلبية الشعب الإسرائيلي الذي ينتخب هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة.
الشعب هو من يذهب إلى صناديق الانتخاب ويختار نتانياهو أو سموتريتش أو بن غفير أو لابيد أو ايزنكوت أو بينت، والنقطة المهمة التي ينبغي أن نقف عندها أنه إذا قرر الإسرائيليون يوم 27 أكتوبر الجاري عدم منح نتانياهو أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة، فإن ذلك لن يغير من السياسات الإسرائيلية كثيراً، والسبب أن المرشحين لخلافته في بقية الأحزاب المختلفة لا يختلفون عنه في الخطوط الأساسية، هم يعارضون شخصه وبعض تصرفاته، ولكنهم على سبيل المثال يرفضون قيام أي دولة فلسطينية مستقلة، بل إن معظمهم يرفض الانسحاب من غزة، وبعضهم طالب باستخدام أسلحة الدمار الشامل لإبادتها.
وحينما ذهب نتانياهو إلى الكنيست أكثر من مرة خلال السنوات الثلاث الماضية لكى يطلب التصويت على منع قيام دولة فلسطينية لمواجهة الضغوط الخارجية فإن كل أغلبية الأحزاب الإسرائيلية أيدته في ذلك. الأحزاب الإسرائيلية يمكن أن تختلف على قضايا متنوعة مثل إصلاح القضاء أو تجنيد الحريديم أو علمانية الدولة أو أمور اجتماعية واقتصادية كثيرة، لكنهم يتفقون تماماً على ضرورة أن تكون إسرائيل هي الأقوى في المنطقة، الفارق ربما بينهم هو في طريقة تنفيذ ذلك، فالبعض يريد أن يتم ذلك بالقوة الخشنة، والبعض يفضل القفازات الحريرية!