مع اقتراب جماعة الإخوان الإرهابية من عامها المئة، تتزايد المظاهر والمؤشرات التي تدل على أن هذه الجماعة ومشروعها قد بدآ مسار الأفول ربما إلى غير رجعة، ولا سيما مع تزايد انكشاف خطر هذه الجماعة وأيديولوجيتها المتطرفة على مستوى العالم، وليس فقط في العالم العربي. ولعل آخر مظاهر ومؤشرات ذلك هو تصويت البرلمان الأوروبي قبل أيام قليلة لمصلحة قرار يؤيد وضع استراتيجية أوروبية موحدة لمواجهة الاختراق من الجماعات المتطرفة ونفوذ جماعة الإخوان والمنظمات التابعة لها، بعنوان: الحاجة إلى استراتيجية للاتحاد الأوروبي لمكافحة الاختراق، ونفوذ شبكة جماعة الإخوان المسلمين، بغالبية 381 صوتاً مؤيداً، و167 صوتاً معارضاً، وامتناع 15 عضواً عن التصويت.
وتكمن الأهمية القصوى لهذا القرار في أنه يكسر طوق السهولة المؤسسية والتعامل الساذج الذي تمتع به تنظيم الإخوان لعقود طويلة تحت ستار العمل الخيري أو الحقوقي.. فعبر حشد 381 صوتاً مؤيداً، وضع البرلمان الأوروبي يده على مكامن الخطر الحقيقي المتمثل في «الاختراق الناعم»، حيث وظفت شبكات الإخوان شعارات التنوع والاندماج ومناهضة التمييز كـ«حصان طروادة» لاختراق المؤسسات الغربية والحصول على تمويلات من موازنات الاتحاد الأوروبي. كما تنبع أهمية الدعوة إلى استراتيجية أوروبية موحدة من إدراك أن جماعة الإخوان الإرهابية وغيرها من الجماعات العابرة للحدود تستطيع الاستفادة من التباينات التشريعية والسياسية بين الدول لتوسيع شبكاتها وتعزيز حضورها، ومن ثم فإن توحيد الرؤية الأوروبية يمكن أن يسهم في تحسين التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية، وتعزيز الشفافية بشأن مصادر التمويل، ومراقبة الأنشطة التي تستغل المؤسسات المدنية أو الدينية لتحقيق أهداف سياسية غير معلنة.. والدلالة الأبرز هنا هي انتقال أوروبا من سياسة غض الطرف إلى التجفيف المالي والتشريعي لمصادر تمويل الإخوان، وصولاً إلى المطالبة ببحث إدراج الكيانات والأفراد المرتبطين بالجماعة على قوائم الإرهاب، مما يعري الخطاب المزدوج للإخوان أمام الرأي العام العالمي.
ويأتي هذا التحرك الأوروبي متزامناً مع تحديات متراكمة تواجهها الجماعة الإرهابية الأكثر تشعباً في العالم، من بينها الانقسامات التنظيمية، وتراجع قدرتها على الحشد في بعض البيئات، وتصاعد التدقيق في مصادر تمويلها وشبكاتها وعلاقاتها السياسية. كما يتسق مع سياق دولي أوسع يشهد مؤشرات واضحة على أفول جماعة الإخوان وتهاوي مشروعها الإقليمي والدولي.. حيث جاء هذا التحرك ليتناغم مع خطوات حاسمة اتخذتها عواصم كبرى ودول عدة لتضييق الخناق على أذرع الجماعة وواجهاتها المالية والسياسية، بدءاً من القرارات الصارمة في الولايات المتحدة بتصنيف بعض فروع الجماعة على قوائم الإرهاب، واعتبار بريطانيا الانتماء للجماعة مؤشراً على التطرف، ونشر وزارة الداخلية الفرنسية في مايو 2025 تقريراً حول «الإخوان والإسلام السياسي في فرنسا» يتهم الإخوان بالتغلغل الناعم في المجتمع الفرنسي، وغير ذلك الكثير من المؤشرات التي تكشف بوضوح كيف أصبح العالم متحداً ومستنفراً في مواجهة خطر هذه الجماعة الإرهابية.
وعلى الرغم من أن القرار الأوروبي لا يعني في حد ذاته، إدراج جماعة الإخوان أو جميع الجهات المرتبطة بها على القائمة الأوروبية للإرهاب، كما أنه لا يشكل قراراً ملزماً بهذا الشأن، لكنه يشكل محطة مهمة في تحرك أوروبا الموحد ضد تنظيم الإخوان، ورسالة واضحة بأن مواجهة الإرهاب لا تقتصر فقط على دحر التنظيمات المسلحة، بل تتطلب تفكيك البنى التحتية والأيديولوجية لتيارات التطرف وعلى رأسها جماعة الإخوان التي شكلت لعقود طويلة المظلة الفكرية والحاضنة الأم لكل تيارات العنف والإرهاب التي ضربت المنطقة والعالم.
