السؤال أعلاه هو من الأسئلة التي فرضت نفسها في الحوارات العامة وبقوة بعد أن أعلن معالي الدكتور حمد سيف الشامسي، النائب العام لدولة الإمارات، بأن التحقيقات في واقعة طائرة فلاي دبي رقم (FZ1073)؛ كشفت عن شروع مساعد الطيار في تنفيذ عملية إرهابية.
سؤال مهم ولا يقبل عدم الإجابة عنه بخطوات عملية قابلة للتنفيذ، كما لا يقبل الفشل في معالجة مرض الكراهية، وإلا فإن العالم سيعيش في مسلسل إرهابي لا ينتهي عنوان هذا المسلسل: القتل مقابل القتل بين المختلفين، سواء دينياً أو مذهبياً أو عرقياً.
إعادة طرح السؤال بين وقت وآخر لا تعني اتهاماً بتقاعس الجهود المبذولة في محاربة هذا الخطر عما كانت عليه، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.. فالصحيح أن خطر الإرهاب لم يعد كما كان، حيث تراجع في مقدار قوته وانتشاره جغرافياً، لأن التنظيمات الإرهابية الكبرى التي أسست لهذا الفكر المتطرف مثل تنظيم الإخوان «أم التنظيمات الإرهابية»، وتنظيم داعش والقاعدة هزمت بنسبة كبيرة، كما أصبح هناك وعي مجتمعي يرفض الداعين للكراهية.
ولكن ظهور حالات فردية من العمليات الإرهابية يؤكد أنه لا تزال هناك بقايا من الخطاب الفكري الإرهابي يظهر فجأة كلما شعروا بأن القبضة الأمنية هدأت أو تراخت. هذا الخطاب يعيد إنتاج سيرته في تحفيز وتهييج المتعاطفين معه وتحريكهم من منطلق عقائدي مع تقديم تبريرات سياسية جاهزة على اعتبار بعض العمليات الإرهابية مقبولة؛ لأنها نتيجة لسلوك سياسي تقوم به حكومة يمينية متطرفة كما يحصل من بعض أفراد حكومة نتانياهو، وهذا غير مقبول سياسياً ولا هو منطقي.
الإمارات من الدول التي تشدد في محاربة الإرهاب إلى درجة أن تشريعها ينص أن الحكم ضد الإرهابي قد تصل عقوبته إلى حد الإعدام أو المؤبد، انطلاقاً من إدراكها أن التساهل في هذا الأمر سيعطي الفرصة للعبث بحياة الناس. كما أن للإمارات العديد من المبادرات العالمية الإنسانية لسد الثغرات التي يستغلها البعض لإثارة العاطفة الدينية مع المختلفين مثل مبادرات التقريب بين الأديان والمذاهب.
وعلى المستوى الأممي بذلت دولة الإمارات جهداً من داخل منظمة الأمم المتحدة عندما كانت رئيسة لمجلس الأمن الدولي في عام 2023، ونجحت في إصدار قرار أممي يسمح بصياغة قرار رقم (2686) الذي ينص على أن خطاب العنصرية وكراهية الأجانب يسهم في الصراعات وتصاعدها.. اقتناعاً من دولة الإمارات بأن الإرهاب ظاهرة عالمية، وبالتالي تحتاج إلى تكاتف الجميع وبمختلف الوسائل بدءاً من الأمن، مروراً بوعي أفراد المجتمع، وصولاً إلى المناهج التعليمية.
ومع كل ذلك، يظل خطر عودة الإرهاب قائماً برغم تراجع القوة المالية والعملياتية والخططية للتنظيمات، وهذا معناه أن الإرهاب ظاهرة متقلبة تتسم بالمد والجزر وفق معطيات معينة. منهجياً فإن الإجابة العملية على سؤال محاربة الأفكار المتطرفة خاصة تؤكد أن تلك المحاربة تبدأ بمراجعة تلك الأفكار، ونقد مسلماتها، ومساءلتها وتفنيد الحجج المبنية عليها وهو ما يعرف أكاديمياً بتفكيك الأفكار.
إن تفكيك الأفكار المتطرفة يعني منهجياً السيطرة عليها قبل أن تتحول إلى سلوك عنيف موجه إلى المتعاطفين لتحويل الاختلاف وفق قاعدة «نحن والآخر» إلى خصومة ثم كراهية قبل أن تؤدي إلى ارتكاب جريمة الإرهاب. الإرهاب يعيد إنتاج نفسه بين فترة وأخرى طالما هناك خطاب فكري يغذيه.. لذا يعتبر نقد الفكرة المتطرفة وعدم تقديسها أهم أداة منهجية يمنعها من التحول إلى سلوك عنيف.
