يعتقد الكثيرون أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستكون حاسمة، حيث ستحدد مصير إسرائيل كدولة ومجتمع. يرى البعض أن رئيس الوزراء الحالي، بنيامين نتانياهو، قد عشعش في الحكم مدة طويلة، وأن برنامجه الوحيد هو البقاء في السلطة، كما أنه يواجه اتهامات بالفساد قد تودي به إلى السجن، إضافة إلى تحمله مسؤولية الإخفاق في منع هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023.
يعتقد بل يجزم الكثيرون أن الانتخابات المقبلة في أكتوبر 2026 ستكون اختباراً حقيقياً لرئيس الوزراء، ويبدو أنه في هذه المرة لن ينجو من الاستحقاق الذي طال أمده وقرب أجله. إن احتمال خسارة نتانياهو للانتخابات بات قاب قوسين أو أدنى، بل إن احتمال دخوله السجن أضحى وشيكاً، إلا إذا عفا عنه الرئيس الإسرائيلي، كما يصر الرئيس دونالد ترامب على رئيس إسرائيل أن يفعل.
وقد يتفاجأ خصوم نتانياهو بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي شرع في التقدم لينافس الائتلاف المضاد حتى أصبحا كفرسي رهان، فالاستطلاعات الأخيرة والتي نشرتها صحيفة تايمز أوف إسرائيل، تشير إلى أن حزب نتانياهو «الليكود» وحزب غادي أيزنكوت «ياشار» سيحصلان على 21 مقعداً في الكنيست لكل منهما. والأهم من ذلك، أن الأحزاب المصطفة مع نتانياهو يتوقع لها أن تحصل على 53 مقعداً، بينما يتوقع لخصوم الليكود 49 مقعداً، وتتقاسم الأحزاب الصغيرة مثل القائمة المشتركة العربية والأحزاب الدينية بقية المقاعد.
ووفقاً لهذه الخارطة الانتخابية، لن يحصل الائتلاف الحاكم ولا خصومه على 61 مقعداً، وهو النصاب المطلوب لتشكيل الحكومة. بالطبع بالإمكان أن تتغير الخارطة السياسية إذا ما قبل التحالف المضاد لنتانياهو أن يدخل أحزاب القائمة العربية الموحدة التي تمثل التيار الإسلامي في إسرائيل بقيادة منصور عباس والمتوقع أن تحصل على 5 مقاعد، إضافة إلى القائمة المشتركة، وهي تجمع من أحزاب وطنية وليبرالية ويسارية تمثل المجتمع العربي في إسرائيل، والتي يتوقع لها حسب الاستطلاع أن تحصل على 8 مقاعد، وبالتالي تضيف 13 مقعداً إلى التحالف الذي يقوده أيزنكوت ليحصل على 62 مقعداً.
لكن الثمن السياسي الذي ستطلبه الأحزاب العربية سيكون أفدح من خسارة الانتخابات بالنسبة للأحزاب الصهيونية، كما أن أيزنكوت استبعد التحالف مع الأحزاب العربية وإدخالها في الحكومة كجزء من ائتلاف حاكم. ورغم ذلك، يمكن للأحزاب العربية أن تدعم ائتلاف أيزنكوت من خارج الحكومة إذا ما تحقق له النجاح.
وليس في الأفق أي مؤشر على تغير جذري في السياسة الإسرائيلية، سواء بقي نتانياهو أم لم يبقَ؛ فقد باتت إسرائيل والناخب الإسرائيلي يميلان نحو اليمين واليمين المتطرف، ومعظم الجسم السياسي والطبقة السياسية الإسرائيلية يرفضون المساومة على ما يعتبرونه «أرض إسرائيل».
وبعد حرب غزة، لم يعد الإسرائيليون عموماً مستعدين للوصول إلى حلول مع الفلسطينيين، فهم منقسمون بين من يريد ضم الأراضي المحتلة وتهجير الفلسطينيين، وبين من يريد استمرار الوضع القائم مع مزيد من قضم الأراضي وبناء المستوطنات أو توسيع القائم منها.
يُصنَّف حزب ياشار بقيادة أيزنكوت على أنه حزب وسطي، ولكن برنامجه السياسي المعلن فيما يخص المسيرة السلمية يقع في يمين الوسط، فقبل الانتخابات استبعد زعيم الحزب القبول بحل الدولتين وصرح بأنه غير عملي، كما أنه يفضل عقيدة أمنية صارمة تقوم على الاستخدام المفرط للقوة. ولا غرو في ذلك، إذ إن أيزنكوت هو من ابتدع «عقيدة الضاحية» ضد حزب الله حين كان في الجيش، كما أنه أيد بناء المستوطنات في الضفة الغربية التي يسميها «يهودا والسامرة».. ولكن، قد يحد أيزنكوت إذا ما وصل إلى رئاسة الوزراء من تغول المستوطنين ضد سكان الضفة الغربية.
لا شك أن أيزنكوت متقدم في برنامجه السياسي على نتانياهو في الداخل الإسرائيلي، إذ يروج لمواطنة متساوية ولحكم القانون، وإلى خدمة وطنية تتيح للمجتمع العربي داخل إسرائيل تقاسم الأوزار وبالتالي الحقوق. بقيت أيام عدة على الانتخابات التي ستجري في 27 أكتوبر، وقد تحدث مفاجآت في الجبهات المشتعلة من غزة إلى الضفة إلى لبنان إلى سوريا وإلى اليمن وإيران تغير المعادلة السياسية قبيل الانتخابات. وقد قيل قديماً: المُسْتَجِيرُ بِعَمْرو عِنْدَ كُرْبَتِهِ... كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ.
