دعا الاتحاد الأوروبي إلى قمة في بروكسل يوم 15 من هذا الشهر، وكانت هي القمة الأولى له منذ العودة من إجازة الصيف.
القمة كانت على مستوى رؤساء الحكومات والدول، وبدا منذ إطلاق الدعوة إلى انعقادها أنها مُثقلة بجدول أعمالها، وأنه جدول أعمال مملوء بما يمكن أن يضعه على الطاولة، ثم بما يمكن أن يناقشه فيكون محل جدل لا ينتهي.
ولكن البند الذي سيطر على بقية البنود في جدول الأعمال، كان البند الخاص بالحرب الروسية الأوكرانية، وإذا شئنا الدقة قلنا إن وجهاً محدداً من بين وجوه هذه الحرب التي دخلت عامها الخامس في فبراير من هذه السنة، كان هو الذي علا على سواه من الوجوه.
فهذه حرب ذات عدة وجوه، ومن بين الوجوه مثلاً مدى الدعم الذي يتعين على أوروبا أن تقدمه لأوكرانيا في حربها مع الروس، وقد زاد هذا الدعم وفاض حتى لم تعد هناك دولة عضو في الاتحاد إلا وقدمت الكثير في سبيل أن تنتصر أوكرانيا في حربها أو أن تصمد في أقل القليل.
ولكن هذا الوجه مسألة مفروغ منها، لا لشيء، إلا لأن لدى القارة الأوروبية قناعة شبه مستقرة في أن الأطماع الروسية التي تجلت في حرب روسيا على أوكرانيا، لا تتوقف عند حدود الدولة الأوكرانية، وإنما تتمدد لتصل إلى دول أخرى في القارة العجوز، وفي جناحها الشرقي على وجه الخصوص باعتباره الجناح الأقرب إلى الروس.
إن روسيا لا تنسى أنها وريثة الاتحاد السوفييتي الذي كان قائماً ذات يوم، وأنه كان القوة المُكافئة لقوة الولايات المتحدة الأمريكية في وقته، وأنه إلى ساعة انهياره واختفائه في 1991 عاش ينافس أمريكا وتنافسه، وكانت القوتان مثل فَرَسي رهان في سباق دام عقوداً من الزمان.
روسيا ورثته حين كتب الله تعالى له الاختفاء، وعندما ورثته تطلعت حولها فاكتشفت أن دولاً كثيرة من الدول التي كانت تحت مظلته ثم استقلت بانهياره، قد سارعت في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، فكأنها قد بدلت اتحاداً باتحاد، وكأنها غيرت الوجهة لا أكثر، وكأنها وجدت ضالتها في بروكسل حيث مقر الاتحاد الأوروبي، بعد أن كانت تجد ضالتها في موسكو حيث عاصمة الاتحاد السوفييتي وحيث مبنى الكرملين العتيد.
هذا كله لم يغب يوماً عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكانت حربه التي أطلقها على أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير 2022 قائمة على قناعة راسخة في أعماقه تقول، إن أوكرانيا واحدة من الدول التي انسلخت من الاتحاد السوفييتي، وأن انسلاخها كان خصماً من قوة روسيا باعتبارها الوريث الشرعي للاتحاد، وأنه ليس أقل من أن يستعيد هو كرئيس لروسيا شيئاً من الأرض التي استقلت بها أوكرانيا، ثم راحت تضيفها للاتحاد الأوروبي حين دقت بابه وطلبت العضوية فيه.
هذا المعنى تجده حاضراً في حديث بوتين وحكومته عن الحرب على أوكرانيا، وإذا حدث وأخفى هو هذا المعنى في حديثه أو حاول إخفاءه مع أعضاء في إدارته وحكومته، فإنه سرعان ما يظهر في كلمة هنا أو عبارة هناك مما يتناثر من الكلمات والعبارات الروسية!
وبمنطق فرويد، عالم النفس الشهير، فإنه لا شيء من تجارب الأشخاص يختفي تماماً، وإنما يبقى في هامش الذاكرة، أو في مساحة جانبية هامشية في الأعماق، حتى إذا حانت فرصة نجد أن هذه التجارب المختفية المتخفية تظهر في شكل سلوك عابر مرة، أو في شكل جملة عارضة مرة ثانية، أو في شكل تصرف طارئ لا نتوقعه ولا يتوقعه صاحبه مرة ثالثة.. شيء من هذا تجده ينتقل من مستوى الأشخاص العاديين، إلى مستوى بوتين وأركان إدارته، كلما تكلموا عن الحرب مع أوكرانيا، وخصوصاً عن دوافعها الحقيقية التي قد لا تقال منهم صراحة أمام الكاميرات.
أعود إلى الوجه الذي سيطر على البند الأول في قمة الاتحاد الأوروبي أكثر من سواه من الوجوه، فأقول إنه الوجه الخاص بموقف الولايات المتحدة الأمريكية المتقلب من الحرب الروسية الأوكرانية، فالرئيس ترامب انتهج منذ عودته للبيت الأبيض نهجاً في هذه الحرب جعله أقرب للروس منه للأوروبيين، وذلك على العكس من موقف الرئيس الأسبق جو بايدن، وآخر دليل على ذلك صفقة الديزل بين ترامب وبين بوتين، وهذا ما يجعل الأوروبيين حائرين لا يعرفون كيف يستقلون بأنفسهم، وكيف في الوقت نفسه لا يصطدمون بإدارة ترامب؟.. إنهم يسيرون على خيط رفيع جداً، ويتمنون لو يتوازنون عليه الفترة المتبقية لإدارة الرئيس ترامب.
