قصة أم كلثوم وأغنية «قلبك صخر جلمود»

زارت كوكب الشرق أم كلثوم، يرافقها الموسيقار محمد القصبجي، العراق للمرة الأولى في نوفمبر سنة 1932، في أواخر عهد الملك فيصل الأول، فلقيت استقبالاً رفيعاً من قادة ورموز الفكر والأدب والشعر والفن في المملكة العراقية طوال فترة إقامتها هناك والتي دامت نحو شهر.

وخلال زيارتها هذه غنت في فندق ومسرح الهلال في منطقة الميدان بالقرب من شارع الرشيد بوسط بغداد. وقتها كان العراقيون استمعوا إلى غناء أم كلثوم من خلال الغرامون والأسطوانات، ولم يشاهدوها أو يستمعوا لها مباشرة، فكان ترحيبهم بها كبيراً وحضورهم لحفلتها كثيفاً فاق كل التوقعات، خصوصاً وأن الصحف العراقية كانت قد نشرت خبر قدومها وحفلتها تحت عنوان «بشرى عظمى نزفها إلى العراق أجمع».
وقد كتبت أم كلثوم بنفسها عن زيارتها للعراق في رسالة بعثت بها إلى صديقها ومستشارها المالي «علي بك البارودي» فقالت ما مفاده إنها غادرت مصر في طائرة فخمة، لكنها استبدلت في مطار طبريا بفلسطين بطائرة صغيرة غير مريحة أصابت كل الركاب، باستثنائها، بالدوار والإفراغ، ثم قالت: «وصلنا بغداد، فوجدت في مطارها حشداً عظيماً من كبار العراقيين يتقدمهم مندوب الحكومة وقنصل مصر وعلي بك العمروسي ورجال المحاماة والطب والصحافة والشعراء وعلى رأسهم الشاعر الكبير الأستاذ (معروف) الرصافي. وقدموا لي باقة الورد ثم ركبت السيارة الخصوصية وكانت مزدانة بالأعلام والأزهار. وسارت حتى وصلت إلى قصر بديع في ضواحي بغداد أُعد خاصة لضيافتي، وعند وصولي باب القصر نُحرت الذبائح تحت قدمي ودخلت فاستقبلت وفود المهنئين.

وفي المساء أقامت لي القنصلية المصرية مأدبة عشاء دعي إليها رؤساء الوزارات ورئيس البلاط الملكي وقناصل الدول، وكانت حفلة بديعة. وفي اليوم التالي دعيت لتناول الشاي في قصر الملك علي (آخر ملوك الحجاز) شقيق الملك فيصل فاستقبلني بالحفاوة وقدمني إلى حرمه والأميرات كريماته فتناولت معهن الشاي، وأبى الملك إلا أن أتناول العشاء (وكان العشاء على كيفك يا سيد علي). ثم بدأت بإذن الله أولى حفلاتي مساء يوم سبت، وتلتها الثانية مساء الأحد، فكان التوفيق من الله عظيماً حيث الإقبال والإعجاب يفوقان الوصف». وأضافت: « وتشرفت بدعوة الملك فيصل للغناء في حفلة خاصة حضرها الملك وولي العهد الأمير غازي ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الأعيان وكبار رجال البلاط».
وقيل إن أم كلثوم، التقت خلال زيارتها بالمطربة العراقية الكبيرة «سليمة باشا مراد»، واستمعت إليها وهي تغني أغنيتها الشهيرة «قلبك صخر جلمود»، فأعجبت كثيراً بالأغنية وأداء صاحبتها، إلى درجة أنها أمسكت بالعود وراحت تغنيها، بعد أن قامت سليمة مراد والملحن صالح الكويتي بتحفيظها كلمات الأغنية وطريقة نطقها باللهجة العراقية. فكانت تلك هي المرة الأولى التي تغني فيها أم كلثوم لملحن غير مصري وبلهجة غير لهجتها.
والأغنية المشار إليها هي من كلمات الشاعر عبد الكريم العلاف وألحان صالح الكويتي، وغنتها سليمة مراد في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، على إيقاع الجورجينا الذي يُعد من أصعب الإيقاعات العراقية، ويقول مطلع الأغنية:
قلبك صخر جلمود ما حنْ عليّ
وانت بطرب وبكيف والبيّه بيّه
قولوله قولوله.. ما بي لوله
بس الخزر بالعين.. صاير له سوله
ومما ورد في جريدة الصباح العراقية (28/1/2026) أن سليمة مراد عاتبت أم كلثوم لاحقاً، بعد أن بلغها قيامها بتسجيل الأغنية بصوتها على أسطوانات تباع في الأسواق دون ذكر اسمها، وتفادياً للمشكلات قامت أم كلثوم بسحبها فاختفت من التداول. وهذا ظل مجرد خبر مرسل دون دليل، إلى أن ثبت وجود مثل هذه الأسطوانة، حيث نشر الإعلامي وليد حبوش أخيراً في برنامجه «عيش اللحظة» من «قناة الرابعة» العراقية تسجيلاً نادراً بصوت أم كلثوم وهي تغني «قلبك صخر جلمود» في حفلة خاصة في الكويت.