استوقفتني قبل فترة تصريحات بول غريفيث، الرئيس التنفيذي لمطارات دبي، وهو يتحدث عن الوقت الذي يراه أغلى سلعة لدى المسافر، وعن ضرورة إزالة ما يثقل رحلته. كان يتحدث عن المطار وكأنه مؤسسة واحدة يدير تفاصيلها، مع أن خلف تجربة المسافر مؤسسات كبيرة، لكل منها قيادتها وصلاحياتها ومسؤولياتها.
في المطار تتقاطع أعمال الطيران والجوازات والأمن والطرق والجمارك والخدمات، ويؤدي كل قطاع دوره ضمن منظومة واسعة. يصل المسافر ويغادر عبر تجربة واحدة، دون أن يشعر أين تنتهي مسؤولية جهة وتبدأ أخرى، فتمنحه هذه الواجهة الأولى شيئاً من صورة المدينة وطريقة عملها.
اللافت أن هذه الجهات التي تتكامل بهذا الانسجام والتناغم، تتسابق في الجانب الآخر فيما بينها في الإنجازات والمبادرات وجودة الخدمات، وتتنافس في برامج التميز المؤسسي، حيث يسعى كل طرف إلى رفع سقفه وتجاوز ما حققه الآخرون، في رحلة لا تعرف التوقف.
هذه المعادلة أصبحت مع الزمن جزءاً متجذراً في ثقافة دبي المؤسسية التي هندسها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على مدى عقود: التكامل لا يغني عن التنافس، والتنافس لا يعطّل التكامل، فلكل مؤسسة طموحها، ولكل قيادة رغبتها في التقدم، فيما تلتقي الجهود عند هدف واحد هو دبي.
ومن هذه الثقافة ظل نموذج دبي يتطور؛ التنافس يرفع مستوى الأداء، والتكامل يحصد النتائج، والنجاح في مؤسسة يدفع غيرها إلى رفع سقفها، لتصبح المنافسة جزءاً من حركة المدينة، والتكامل ضماناً لأن تمضي في الاتجاه نفسه.
ومع رسوخ هذا النموذج، تأخذ المدرسة التي صنعته بُعداً جديداً اليوم يتصل بالاستدامة؛ فنجاح المنظومة يحتاج إلى قيادات تحفظ ثقافتها وتنقلها إلى الجيل التالي، لتمتد صناعة النجاح إلى الحفاظ على استمراريته.
وتتجسد هذه الفكرة في الدورة الأولى من «وسام محمد بن راشد للقيادة»: اثنتان وثلاثون جهة حكومية، ومديرون عامون وقيادات من الصف الثاني، وأكثر من مئة مقابلة؛ والمنافسة هذه المرة تتجه إلى أثر القائد وقدرته على تمكين من حوله وصناعة قيادات تستطيع مواصلة الطريق، ليكون الوسام امتداداً طبيعياً لهذه المدرسة، فقد تنافست المؤسسات طويلاً على الإنجاز، واليوم تدخل استدامة القيادة ميدان هذه المنافسة.
هكذا يمتد النجاح في مدرسة محمد بن راشد آل مكتوم، من إنجاز يتحقق اليوم إلى إرث تحمله أجيال الغد. تلك هي دبي الأفعال؛ تصنع النجاح، وتصنع من يواصل طريقه.
