رجاء عبدالقادر باسودان.. أسطورة الغناء العدني والحضرمي

Picture1
Picture1


في أعقاب التغيير السياسي، الذي حدث في الشطر الشمالي من اليمن سنة 1962، حدث انقلاب في المشهد الاجتماعي والثقافي للبلاد، وبدأت مسيرة الانفتاح، التي كان من ثمارها تشييد معاهد تعليم البنات بمختلف مراحلها، وانتشار الصحف والمجلات المحلية والعربية، وخروج المرأة للعمل في بعض المجالات المقتصرة سابقاً على الرجال.


توّجت وتعززت هذه التطورات في عام 1967 بحصول الشطر الجنوبي من اليمن على استقلاله، خصوصاً أن الجنوب كان أسبق من الشمال لجهة الانفتاح على مظاهر الحداثة والتنوير، وإطلاق منابر التثقيف والترفيه والإعلام (كالصحف والإذاعة والتلفزيون والمسرح وستوديوهات التسجيل الفنية والأندية الاجتماعية/الثقافية)، ومنح المرأة قدراً أكبر من الحريات الاجتماعية المسؤولة.


في ظل هذه التطورات، وتأسياً بما شهدته المجتمعات العربية خارج نطاق شبه الجزيرة العربية، تجرأت المرأة اليمنية، واقتحمت عالم الغناء والطرب، وأضافت صوتها لصوت شقيقها الرجل في الغناء العاطفي المعبر عن لواعج الشوق والهيام، وكذا فعلت في إطلاق صوتها في الغناء الوطني والديني. وسرعان ما ظهرت على الساحة الفنية اليمنية في صنعاء وتعز وإب وعدن والمكلا وأبين مطربات محليات من ذوات الصوت الجميل، والأداء المتميز، اللواتي نجحن بإصرارهن وصمودهن وبمؤازرة عدد من الملحنين والموسيقيين والشعراء الغنائيين اليمنيين في تخطي كل المعوقات والتحديات الاجتماعية والقبلية، وتمكنّ من حفر أسمائهن في وجدان المتلقي اليمني، وإدخال البهجة والسرور إلى كل بيت يمني.
من هؤلاء، اللواتي يصح أن نطلق عليهن رائدات الأغنية اليمنية الحديثة تبرز أسماء مثل الشقيقتين الشماليتين نبات أحمد، وروضة أحمد، والفنانة منى علي، التي ظهرت في إب، واستقرت في تعز، وارتبط اسمها بأعراس اليمنيين في اليمن الأوسط قبل نصف قرن، والفنانة العدنية نبيهة عزيم، التي حفرت اسمها كونها أول يمنية تصعد وتغني على المسرح، وتجعل عدن كلها تسهر لسماع صوتها من الإذاعة، والمطربة الصنعانية تقية الطويلية، التي شقت طريقها بحذر منذ غنائها خلسة لأول مرة في الديوان النسائي بمنزل الأمير علي نجل الإمام يحيى حميد الدين، بعد أن اكتشفها الفنان محمد حمود الحارثي، والمطربة العدنية كفى عراقي المولودة بعدن سنة 1953، والتي اشتهرت بأداء الأغنية الفلكلورية «صبوحة خطبها نصيب»، وأغنية «فين إلتقينا وشفتك» للفنان محمد صالح عزاني، والفنانتين الحضرميتين فاطمة باهديلة، وفاطمة منصور الشطري الشهيرة بالحبانية، وهما فنانتان شجاعتان ظهرتا في السبعينيات، ولم تستسلما رغم تعرضهما للضرب وإطلاق الرصاص من قبل أقاربهما المتشددين، والمطربة العدنية فتحية الصغيرة شقيقة الفنان والملحن الراحل حسن فقي، وزوجة الفنان الراحل أحمد قاسم، المولودة في عدن في خمسينيات القرن العشرين، وإحدى المساهمات في تأسيس «فرقة الإنشاد العدنية» مع الفنان أحمد بن غودل، وفنانة تعز الشاملة نجيبة عبدالله، التي اشتهرت بمشاركتها بالتمثيل مع الفنان نبيل حزام في مسلسل «المهر»، وتقديم أشرطة غنائية، والعمل مذيعة ومقدمة برامج في تسعينايت القرن العشرين، والمطربة العدنية أمل كعدل، صاحبة الدويتوهات الشهيرة مع أحمد قاسم، ومحمد مرشد ناجي، والتي انطلقت شهرتها من برنامج للمواهب في القناة اليمنية الثانية (قناة عدن) في منتصف السبعينيات، وقدمت أغاني وطنية وعاطفية، أشهرها دويتو «الوحدة الوطنية»، وأغنية «يا نسيم المسافر هات لي أخبار»،
غير أننا نخصص هذه المادة للحديث عن اسم نسائي آخر في عالم الغناء والطرب اليمني الحديث هو «رجاء باسودان»، وسوف نستعين في توثيق سيرتها بكل ما نشر عنها في الصحافة اليمنية أو في مواقع ومنصات التواصل أو في مذكرات زملائها من رواد الأغنية اليمنية الحديثة، علاوة على كتاب «من هنا مرّ الغناء دافئاً.. شعراء ومطربون يمنيون» لمحمد عبدالوهاب الشيباني، وكتاب «الأصوات الغنائية النسوية في اليمن 1950 ــ 2000) للباحث اليمني يحيى قاسم سهل.
ولدت رجاء عبدالقادر باسودان ونشأت في «حافة القاضي»، بحي كريتر بمدينة عدن على الأرجح في أواخر أربعينيات القرن العشرين، أو أوائل الخمسينيات منه، ابنة لأسرة حضرمية عريقة هي أسرة آل باسودان المنحدرة من بلدة خريبة بوادي دوعن، والمعروفة تاريخياً واجتماعياً ضمن طبقة المشايخ في حضرموت.
كان والدها عبدالقادر باسودان شخصية متنورة، ومعروفة بثقافته الواسعة ومرحه وشجاعته وعناده، ولهذا لعب دوراً بارزاً في دعم موهبتها الفنية، وتحدى العادات والتقاليد الحائلة دون انطلاقها، حيث كان الرجل مؤمناً بأن الفن رسالة راقية وليس عيباً أو حراماً، على خلاف العديد من مجايليه المحافظين، فقاوم بشجاعة كل من اعترض من عائلته على عمل ابنته الصغيرة رجاء في الإذاعة أو ظهورها على المسرح، أو مشاركتها في الأفراح بالغناء.
وهكذا تمكنت باسودان في عام 1958 وهي لا تزال طفلة من بدء رحلتها الفنية مع صديقتها صباح منصّر(شقيقة الفنان العدني الشامل محمد سعيد منصّر، وابنة أخت موسيقار عدن الكبير أحمد أحمد قاسم)، وذلك حينما ظهرتا معاً لأول مرة في برامج الأطفال من إذاعة عدن، التي كانت قد تأسست سنة 1954.
وفي أوائل ستينيات القرن العشرين انضمت مع صديقتها منصّر إلى كورال الإذاعة، فشاركت في ترديد الأغاني وراء فناني تلك المرحلة. كان هذا قبل أن تؤسس مع زميلتيها صباح منصّر وأم الخير عجمي فرقة غنائية، أطلقن عليها اسم «فرقة الثلاثي اللطيف»، بدعم وتشجيع ومساندة من الموسيقار الكبير أحمد قاسم المتأثر بالفن والموسيقى المصرية، فهو الذي اختار لهن اسم الفرقة على غرار فرقة «الثلاثي المرح» المصرية.
بعد أن توقف نشاط الفرقة بسبب اعتزال أم الخير عجمي الغناء واصلت رجاء موهبتها بالغناء منفردة، حيث شعرت أن الفتاة العدنية بحاجة لأغانٍ تؤثر على مخيلتها، وتحذرها من مخاطر السقوط في شباك الشباب المستهتر، وتنمي وعيها لجهة اختيار شريك حياتها المناسب بحرية وبموافقة أهلها، وهكذا ولدت أغنيتها الأولى «داري هواك داري» من كلمات أحمد شريف الرفاعي، وألحان محمد مرشد ناجي، والتي يقول مطلعها: «داري هواك داري.. ع القلب يا جاري، ساكن قبال داري.. حيرت أفكاري... بالله يا جاري».
بعد ذلك قدمت أغاني خالدة، ولاسيما أغنية «يابنات المكلا» التي تصنف ضمن التراث الشعبي المتداول شفهياً في اليمن (وإن كان المطرب السوري فهد بلان هو من نقلها من المحلية إلى العالم العربي بعد أن غناها بصوته سنة 1969 بلحن أعاد صياغته الملحن السوري عبدالفتاح سكر صياغة شامية ملائمة لصوت بلان الجبلي)، فقد أدت فنانتنا الأغنية، في أول ظهور فردي لها على المسرح، بطريقة جعلت الجمهور مأسوراً بأدائها إلى درجة أنها غنتها ثلاث مرات متتالية استجابة لإلحاحهم وتصفيقهم المتواصل، ورفضهم مغادرة المسرح، والمسرح المقصود هنا هو «مسرح البادري»، في حي كريتر بمدينة عدن القديمة، والذي يعد من أقدم وأعرق المسارح الثقافية والفنية في جنوب اليمن، وهو المسرح الذي وقفت عليه في عام 1957 نبيهة عزيم لتغني أمام جمهور من الرجال أغنية «ياللي غرامك زاد» من كلمات وألحان لطفي جعفر أمان، فكانت الأولى في اليمن والخليج والجزيرة العربية، التي تقدم على مثل هذا العمل.
وتساءلت صحيفة «نيوز يمن» الإلكترونية (1/7/2021)، في تغطيتها للاحتفاء بيوم الأغنية اليمنية، عما جعل باسودان فنانة متميزة ومختلفة عن غيرها، فكانت الإجابة هي أنها امتلكت «قدرة استثنائية على التواصل مع جمهورها تجعل كل مستمع يشعر وكأنها تغني له شخصياً، وهذا التفرد أكسبها قاعدة جماهيرية واسعة وحباً خالداً تفوقت به على كثير من زملائها الفنانين». ويمكن أن نشير أيضاً في السياق نفسه إلى عامل آخر هو تمتعها بشخصية قوية على المسرح، وامتلاكها روحاً زاخرة بالجمال والحب كروح مسقط رأسها عدن.
غنت باسودان العديد من الأغاني العدنية والحضرمية الجميلة، من خلال تعاونها مع ثلة من أشهر مواطنيها من الملحنين والمطربين والشعراء مثل الفنان الكبير محمد مرشد ناجي الشهير بالمرشدي (1929 ــ 2013)، والأيقونة اليمنية الخالدة ذكراً الفنان أحمد أحمد قاسم (1938 ــ 1993)، والملحنين محمد أحمد محسن (المحسني) وإسكندر ثابت، والأمير الملحن محسن أحمد مهدي الفضلي، ومحمد محسن عطروش، والشعراء لطفي جعفر أمان، وحسين عبدالباري، ومحمد سعيد جرادة، وعمر عبدالله نسير، وغيرهم، بل يُذكر لها أنها أسهمت في توحيد جمهور الغناء في عدن الذي كان منقسماً ما بين فن محمد مرشد ناجي، وفن أحمد أحمد قاسم، أي على غرار الانقسام في مصر والعالم العربي ما بين جمهور عاشق لفن عبدالحليم حافظ وجمهور عاشق لفن فريد الأطرش، فصار جمهور المرشدي يذهب إلى مسرح البادري والملعب البلدي في كريتر لسماع رجاء باسودان في حفلات يحييها الفنان أحمد قاسم، وفي المقابل يذهب جمهور أحمد قاسم لسماع رجاء باسودان في حفلات يحييها محمد مرشد ناجي على مسارح الشيخ عثمان وصالاتها السينمائية.
من أشهر الأغاني التي سجلتها باسودان، وما زالت تذاع إلى اليوم من إذاعة عدن أو إذاعات الدول المجاورة لليمن، ولا سيما إذاعة جيبوتي:
•«دق القاع دقه لاتجهب ولا.. شق البحر شقه ما دامك حلا» كلمات أحمد علي النصري، وألحان الأمير محسن أحمد الفضلي.
•«المحبة بالرضا بالرضا مش بالحتامه» كلمات عمر عبدالله نسير، وألحان محمد محسن عطروش.
•«حبيبي له جمال، سبحان اللي خلق»، كلمات أحمد شريف الرضي وألحان إسكندر ثابت.
•«دوب الزمان والقلب يتذكر» كلمات وألحان ناصر محمد باسويد.
•«ذي ما يباني مرة ما باه مرتين» كلمات عمر عبدالله نسير، وألحان محمد محسن مطروش.
•«قال بن الأشرف من هجري بكيت»(من أغاني الفلكلور والتراث اليمني).
•«مرحبا رمضان يا رمضان مرحبا» كلمات محمد سعيد جرادة، وألحان أحمد قاسم علوي الكاف.
علاوة على ما سبق غنت باسودان أغنية وطنية معروفة على نطاق واسع بعنوان «أيا ثورة الشعب» من كلمات حسين عبدالباري،وألحان محمد أحمد محسن، وقد غنتها في صباح يوم استقلال الشطر الجنوبي من اليمن، أي بتاريخ الثلاثين من نوفمبر 1967، فسُجلت كونها أول أغنية وطنية في تاريخ جنوب اليمن، ولُقبتْ باسودان بسببها بلقب «مطربة الأغنية الوطنية الأولى».
والجدير بالذكر أن انخراط باسودان في الفن وشغفها بالغناء والموسيقى لم يمنعها من خدمة وطنها في مجال آخر، إذ عملت في حقبة الثمانينيات موظفة حكومية بوحدة التخطيط في وزارة الإنشاءات بعدن. وقد أكد عدد من الذين عملوا معها هناك بأنها كانت نموذجاً للموظفة المخلصة في عملها والراقية في تعاملها، ما أكسبها احترام الجميع، وكانت أختها فوزية باسودان تعمل في تلك الفترة مذيعة في إذاعة وتلفزيون عدن.
ونختتم بالإشارة إلى أن الأدبيات الفنية في شطري اليمن لا تذكر أي تاريخ محدد لوفاتها، وعلى الرغم من أن المؤرخة والخبيرة اليمنية في مجال التراث الغنائي اليمني الدكتورة بسمة محمد ذكرت في منشور لها أن رجاء باسودان توفيت في عدن في 11 محرم 1444 للهجرة الموافق للتاسع من أغسطس سنة 2022 عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض، فإن التاريخ مشكوك فيه، لأن وفاتها عن ذلك العمر المتقدم يعني أنها من مواليد عام 1938، وهذا لا يتوافق مع حقيقة مشاركتها في برامج الأطفال من إذاعة عدن، بدءاً من عام 1958، ولا يتوافق عمرياً مع أحداث أخرى في مسيرتها، أما من تنطبق عليه تلك المعلومة فهي الفنانة المصرية رجاء حسين، التي ولدت في عام 1937، وتوفيت في التاسع من أغسطس سنة 2022 عن عمر ناهز 84 عاماً بعد صراع مع المرض حسب ما هو مدون في الأدبيات الفنية المصرية، وقاعدة بيانات الفنانات المصريات.