الأرشيفات المستحيلة والإبادة المعرفية

قضيت سنوات طويلة أتعامل مع التراث باعتباره مجالاً للبحث في ذاكرة المجتمع، وتعلمت أن الوثيقة تستطيع أن تقول أشياء كثيرة لمن يعرف كيف يسألها، غير أن سؤالاً مختلفاً استوقفني أخيراً:

ماذا نفعل عندما نبحث عن إنسان عاش فعلاً، وشارك في حياة مجتمعه، وترك أثراً فيمن حوله، ثم لا نجد له أثراً في الوثائق التي وصلت إلينا؟.. أين يذهب تاريخ الذين عاشوا خارج الورق والصورة والسجل، وكيف يستطيع الباحث أن يدرس حياة لم تتح لها فرصة أن تتحول إلى أرشيف؟

وجدت هذا السؤال حاضراً بقوة في مشروع بحثي بدأ هذا العام بقيادة الأنثروبولوجي، روي ليرا بلانيس، الباحث في المركز الشبكي للبحوث في الأنثروبولوجيا «CRIA» في إسكتِه – المعهد الجامعي في لشبونة «Iscte» في البرتغال، ويحمل عنواناً لافتاً: «الأرشيفات المستحيلة».

يدرس المشروع الذاكرة والتراث في البرتغال وإسبانيا، وعدد من المجتمعات الأفريقية الناطقة بالبرتغالية، ويتتبع خصوصاً ما خلّفه الاستعمار والأنظمة السلطوية والعنف من ذاكرات ظاهرة، وأخرى غابت عن التوثيق.

وقد وجدت في هذا الطرح صلة تاريخية تستحق التأمل من موقعنا في الإمارات، فالوجود البرتغالي امتد إلى أجزاء من ساحلنا خلال القرن السادس عشر، وبدايات القرن السابع عشر، وهي صفحة لم يتناولها مشروع بلانيس، لكنها تفتح أمامنا السؤال نفسه: ماذا تخبرنا السجلات البرتغالية عن تلك المرحلة، وأين نجد ذاكرة الناس الذين عاشوها على هذه الأرض؟

تكمن قوة فكرة «الأرشيفات المستحيلة»، في أنها تلفت الانتباه إلى الغياب، فالوثائق والصور والرسائل والسجلات، تمنح الباحث آثاراً يعيد من خلالها بناء جانب من الماضي، ثم يصطدم بما لم يصل إليه: تجربة حدثت ولم يكتبها أحد، ومعرفة انتقلت بين الناس ولم تدخل سجلاً، وحياة عبرت الزمن من دون أن تترك المادة التي يبحث عنها المؤرخ بعد عشرات أو مئات السنين..

عندها يصبح الصمت نفسه مادة للبحث، ويصبح الفراغ سؤالاً عن الطريقة التي تشكل بها الأرشيف، وعن الأشياء التي اعتبرها مجتمع ما جديرة بالتسجيل، والأشخاص الذين امتلكوا القدرة على الكتابة والتصوير والحفظ.

وهذا يدفعنا إلى النظر في الوثيقة نفسها بطريقة مختلفة.. فالباحث يفحص محتواها، ثم يستطيع أن يسأل أيضاً: من كتبها؟ ولأي غرض؟ ومن احتفظ بها؟ وأي جانب من الحياة استطاعت أن تسجله؟، وقد يكون جزء من الماضي باقياً في مكان آخر، في دفتر شخصي، أو كتابة على ظهر صورة عائلية، أو رسالة بقيت داخل بيت، أو تسجيل قديم، أو رواية تناقلتها أسرة، ولم تصل بعد إلى مؤسسة تحفظها.

يستخدم مشروع بلانيس تعبير «الإبادة المعرفية»، لوصف بعض عمليات المحو التي تجعل معرفة معينة غير قابلة للظهور داخل السرديات المهيمنة، خصوصاً في تاريخ العنف والاستعمار والقمع الذي يدرسه.

ويختلف هذا السياق عن تاريخ الإمارات وتجربتها الاجتماعية، وتبقى القيمة التي يمكن أن نأخذها منه في السؤال المنهجي: كيف ينتبه الباحث إلى حدود المادة التي بين يديه، ويدرك أن اكتمال الأرشيف المادي لا يعني اكتمال صورة المجتمع؟

هذا السؤال مهم في الإمارات، ونحن نعيش مرحلة واسعة من جمع الذاكرة الوطنية ورقمنتها، وإتاحتها للأجيال الجديدة. فكل مادة جديدة تدخل الأرشيف، تستطيع أن توسع معرفتنا بالمجتمع، وكل فراغ نكتشفه، يستطيع أن يقودنا إلى سؤال جديد، ومصدر لم نفكر فيه من قبل.

. وربما تكمن المسؤولية الأهم هنا في التمييز بين غياب الدليل ودليل الغياب، فقول الباحث «لم أجد ما يثبت ذلك»، يختلف علمياً وأخلاقياً عن قوله «هذا لم يحدث».. وبين العبارتين قد تختبئ حياة إنسان كاملة.

لهذا شدتني فكرة «الأرشيفات المستحيلة».. إنها تضع الباحث عند حافة الأرشيف، في النقطة التي تنتهي عندها الوثيقة، ويبدأ السؤال.. هناك يرى حدود معرفته، ويبحث عن طرق أخرى للوصول إلى التجربة الإنسانية، ويترك للمستقبل إمكانية العثور على ما عجز الحاضر عن رؤيته..

فبعض أهل التاريخ يصلون إلينا بأسمائهم وصورهم وأوراقهم، وبعضهم يصلون في أثر صغير، أو إشارة عابرة، أو سؤال بقي بلا جواب.. هؤلاء أيضاً عاشوا هنا، ومروا في الزمن، وأسهموا في صنع المجتمع الذي وصل إلينا.

ولا شك أنني سأعود لاحقاً إلى هذه الصفحة، لأفحص ما نستطيع الوصول إليه عن كل يوم قضاه البرتغاليون على سواحل الإمارات، وما سجلوه عن المكان وأهله، وما عبر تلك السنوات من دون أن يجد طريقه إلى سجلاتهم.. فحين يصمت الأرشيف البرتغالي عن جانب من حكايتنا، وأي أرشيف لنا عبر التاريخ، تبدأ مسؤولية الباحث الإماراتي في الإصغاء إلى ذلك الصمت، والبحث عما تركه خلفه.