الأنانية والمنفعة

يصعب العثور على شخص يعترف صراحة بأنه أناني، غير أن الأنانية نلمسها في تفاصيل يومياتنا. نريد المقعد الفلاني، والفرصة الأفضل، والنصيب الأكبر، ولكننا نغضب حين يتقدم علينا أحد.

وحتى حينما نضحي من أجل الآخرين، نجد في أعماقنا مكافأة خفية تنتظرنا وهي «الشعور بالرضا» أو «الانتصار» أو «التقدير» وهكذا. فهل الأنانية نقيصة نحاول إخفاءها أم أنها جزء من طبيعة تكوين البشر.

هناك كتاب بعنوان «الجين الأناني» ذاع صيته في العالم الغربي عام 1976 فلقي رواجاً كبيراً، لم يتوقعه مؤلفه العالم البريطاني ريتشارد دوكنز.

ورغم تلك الأصداء إلا أن الكتاب صاحبته انتقادات واسعة النطاق. فمن العلماء من يرون أن الأنانية لا يحملها جين محدد بل هي نتاج مجموعة من السلوكيات وربما التجارب والمواقف.

وبعيداً عن الجدل العلمي حول الكتاب، تكشف الحياة اليومية مفارقة يصعب تجاهلها، مفادها أن الإنسان قادر على أن يكون أنانياً إلى أبعد الحدود، وقادراً في اللحظة نفسها على إيثار عجيب.

غير أن وراء كثير من تصرفاتنا دافعاً شخصياً، سواء كان ظاهراً أم خفياً. فنحن حينما نمد يد العون للآخرين فإننا إما نبتغي بها وجه الله تعالى أو قبولاً واستحساناً من الآخرين «يثلج صدورنا». إذن تقف «الأنا» بصورة أو بأخرى خلف سلوكياتنا.

وليس كل ما نؤثر به أنفسنا يعد مذموماً. ولذلك قال بعض العلماء العبارة الشهيرة صراحة «لا إيثار في الطاعات»، فحينما يتقدم شخص للوقوف في السطر الأول لجماعة المصلين لا يتوقع منه أن «يُؤثر» غيره على نفسه.

وكذلك أداء فريضة الحج عن متوفٍّ (نافلة) يجب ألا تسبق فريضة الحج الأولى للمتطوع بأدائها عن عزيز فارق الحياة. وفي مواضع أخرى يعتبر الإيثار محموداً.

وربما تظهر المسألة بوضوح في عالم الأعمال. إذ أذكر أنني كنت أتفاوض ذات مرة مع مسؤول أمريكي قال لي بالإنجليزية «ما هي منفعتي من ذلك كله؟» فقدمت له على الفور بدائل عدة، أخفيت بعضها لاعتبارات النقاش وتكتيكاته. ولذا كان من أبجديات التفاوض مراعاة مبدأ المنفعة المتبادلة.

والواقع أن السؤال الصريح نفسه الذي وجهه إليّ الأمريكي، يلخص جانباً مهماً من العلاقات المهنية والتجارية. فالشراكات المستدامة لا تقوم عادة على طرف يعطي إلى الأبد وآخر يأخذ إلى ما لا نهاية، بل على منفعة يجد فيها كل طرف سبباً وجيها للاستمرار.

في علاقاتنا اليومية نفعل الأمر نفسه بصور مختلفة. فنقترب ممن يشعرنا بالتقدير، ونبتعد عمن يستنزفنا من دون مقابل. ونخصص وقتاً أكبر لمن نرتاح إلى مجالسته. فخياراتنا قد تبدو بديهية أو عفوية لكنها تسيّرها درجة من درجات المصلحة. حتى الشعور بالراحة مع شخص هو منفعة معنوية نرجوها، ناهيك عن المنافع المادية الواضحة.

وكذلك المرأة بكل ما أوتيت من دفء الحنان والإيثار، تبين أنها أيضاً تمارس شيئاً من الأنانية عندما وجد العلماء مجموعة منهن لا يتعاطفن مع «الشحاذين»، وحينما يقتسمن قطعة من الشوكولاته فإنهن يأخذن النصيب الأكبر منها كما نشرت ديلي ميل البريطانية.

وهذه ليست بالضرورة أنانية مذمومة، وإنما جزء من طبيعة الإنسان في حماية وقته وطاقته ومكانته.

المعضلة تظهر حينما تتحول «الأنا» من حاجة طبيعية إلى الشعور بأننا مركز الكون. هنا يتضخم الشعور بالاستحقاق المبالغ فيه على حساب الآخرين. فالأناني لا يرى في العلاقة إلا ما يأخذه منها.

فقد يكسب جولة ويخسر جولات، وقد يربح صفقة ولكنه يخسر صفقات. وذلك لأنه استنزف رصيد علاقاته فتراجعت وشائج المودة والثقة وحتى الاستعداد للتعاون معه.

وكذلك الحال في ميادين السياسة لا تستطيع أن تطلق «لميول الأنانية» العناء فتتحكم بكل من حولك مهما أوتيت من قوة ودعم. سيأتي يوم وتجلس فيه إلى طاولة المفاوضات إذعاناً لمبدأ المصالح المشتركة win-win التي تسيّر علاقات العالم.

فالأنانية ليست أن نبحث عن مصالحنا، بل أن نبحث عنها متجاهلين مصالح الآخرين. وهناك شعرة رقيقة بين المصلحة المشروعة والأنانية.