في الماضي كان الآباء يعرفون، إلى حد كبير، أين يذهب أبناؤهم، ومن يصادقون، ومن يلتقون، وما الأماكن التي يمكن أن تحمل لهم خطراً. كان الخوف مرتبطاً بطريق أو شخص أو مكان، أما اليوم فقد أصبحت المجتمعات أكثر انفتاحاً، وأصبح العالم كله قادراً على الدخول إلى غرف أطفالنا من خلال شاشة صغيرة يحملونها بين أيديهم، ما غيّر مفهوم الحماية الأسرية والمجتمعية.
فلم يعد كافياً أن نعلّم أبناءنا ألا يتحدثوا إلى الغرباء، لأن الغريب قد يظهر في هيئة لعبة، أو مقطع، أو حساب رقمي يجذب اهتمامهم.
ولم يعد الخطر واضح الملامح، فقد يكون خوارزمية تتعلم ما يحبونه، أو محتوى يتسلل إلى أفكارهم، أو صورة مزيفة يصنعها الذكاء الاصطناعي، أو كلمة جارحة تلاحقهم بعد أن يغلقوا أبواب غرفهم.
وفي ظل تسارع التحولات الرقمية، لم نعد نستطيع إغلاق أبواب العالم الرقمي أمام أبنائنا، فهو عالمهم الذي سيتعلمون ويعملون ويبدعون فيه، ومسؤوليتنا أن نمنحهم الأدوات التي تجعلهم أكثر قدرة على مواجهة مخاطره، وأن نبني في داخلهم وعياً يحميهم.
وهذا الوعي يبدأ بأن يعرف الطفل متى يتوقف، ومتى يسأل، ومتى يقول «لا»؛ وأن يدرك أن ليس كل ما يراه حقيقة، ولا كل من يتحدث إليه صديقاً، ولا كل ما يشاركه يمكن استعادته. والأهم أن يعرف أن بإمكانه العودة إلى أسرته من دون خوف عندما يخطئ أو يتعرض لموقف لا يعرف كيف يتعامل معه.
وحين يصبح الوعي خط الدفاع الأول تتسع مسؤولية الحماية لتتجاوز الأسرة، وتتحول إلى مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الأدوار. وهذا ما يجسده نهج دولة الإمارات في بناء بيئة رقمية أكثر أماناً للأجيال الناشئة، فالتشريعات والسياسات والضوابط توفر سياجاً ضرورياً للحماية، لكن السياج وحده لا يصنع إنساناً قادراً على السير بأمان. فالوعي الذي تغرسه الأسرة، والتربية التي تقدمها المدرسة، ومسؤولية المؤسسات والمنصات والمجتمع، تمنح أبناءنا القدرة على خوض هذا العالم بثقة وأمان.
مسار:
أقوى حماية نقدمها لأبنائنا أن نزرع في داخلهم وعياً يرافقهم حين لا نكون هناك.
