بعد ربع قرن من الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة، تستذكر الولايات المتحدة والعالم هذا اليوم الأليم والذي أودى بحياة ما يزيد على 3 آلاف ضحية لم يكن لهم ذنب إلا أنهم كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. ما تبع هذه الأحداث الإرهابية يفوق بكثير ضحايا ذاك اليوم المشؤوم في 11 سبتمبر لعام 2001..
كانت ردة فعل الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس جورج بوش، والتي شعرت بالمهانة والانتقاص من مكانتها الدولية كالقوة الأعظم يفوق الشعور بالحيف الذي وقع جراء العمليات الإرهابية.
أعلنت واشنطن الحرب العالمية على الإرهاب.. وأعلنت أن من ليس معها فهو مع الإرهاب.. ليس هناك من مبرر للإرهاب وأن الولايات المتحدة توعدت بتعقب كل من يرتكب أعمال عنف.
لم تلقِ الولايات المتحدة بالاً إلى أن العنف قد يولد مزيداً من العنف.. بل أيقنت أنه لا يفل الحديد إلا الحديد.. وأن القضاء على الإرهاب يتطلب قوة تواجه الخصم في كل مكان وفي كل حين..
حينها قامت الولايات المتحدة بتسخير كل الموارد المادية ومن عناصر القوة لتحقيق مآربها.. قامت بعملية ملاحقة للموارد المالية والإعلامية والتي تدعم الإرهاب، لا سيما إرهاب القاعدة.. وأنذرت حكومة طالبان في أفغانستان بتسليم قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي كان المتهم الأول في تدبير أحداث سبتمبر.
في خضم هذه الحملة الكبيرة لم يسلم الإسلام ولا المسلمون من هجمة شرسة تتهمهم بالعنف الممنهج.. وأن الدين الإسلامي يحض على كراهية الآخر والعنف والجهاد وفرض المعتقدات الدينية على غير المسلمين.. وزادت حدة الإسلامفوبيا في الولايات المتحدة وفي الغرب عموماً.
لم تخض إدارة الرئيس بوش في هكذا لغط، على الأقل تكتيكياً.. ولكن الإدارة أبدت فعلياً عداوة لكل ما هو إسلامي.. وقد قامت الجهات الأمنية بمطاردة المسلمين الأمريكيين بما يخرق حقوقهم المدنية تحت «قانون باتريوت» الذي أعطى السلطات الحكومية صلاحيات واسعة.
. واعتقل بموجب هذه القوانين أناس أبرياء بمجرد الاشتباه بهم.. كما تم اختطاف مشبوهين خارج الولايات المتحدة تحت برنامج عرف بالتسليم السري للمتهمين، وأودعوا في جزيرة غوانتنامو دون أن يعرضوا على قاضٍ أو أي إجراء قانوني.
داخلياً فقدت الولايات المتحدة البوصلة وانقلبت على مؤسساتها العريقة.. خارجياً كان الوضع أفظع، فقد ضربت واشنطن القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، واتخذت من فظائع أحداث سبتمبر الإرهابية مبرراً لفعل ما تريد وما تشتهي.
في أكتوبر قامت بمهاجمة أفغانستان دون موافقة من الأمم المتحدة، والتي كانت ستنالها بكل تأكيد.. ولكن الرمزية في هذا أن واشنطن لن تنتظر موافقة أحد في الدفاع عن نفسها حتى الأمم المتحدة التي تستضيفها في أراضيها.. ثم جاء الدور على العراق ورئيسها صدام حسين، والذي توعده المحافظون الجدد من زمن والنافذون في إدارة بوش..
ووجد المحافظون الجدد ضالتهم في رئيس غرٍّ ذي تجربة محدودة في الشأن الدولي، على العكس من أبيه بوش الأب. كان التسويغ لغزو العراق امتلاكه للأسلحة الكيماوية واحتمال تصنيع أسلحة نووية.. ولكن أجندة المحافظين الجدد كانت أكبر وأبعد من مجرد تجريد العراق من أسلحة ما كان يمتلكها أصلاً، كما تبين لاحقاً.
كان مجموعة من المحافظين الجدد قد نشروا وثيقة سياسية في العام 1996 مع قدوم حكومة بنيامين نتانياهو في إسرائيل عنوانها «القطيعة الكاملة: استراتيجية جديدة لتأمين الحمى».. وهي وثيقة قدمت إلى الحكومة الجديدة للتخلص من تبعات أوسلو وتغيير الأنظمة المعادية في العراق وسوريا وحزب الله في لبنان وإيران.
ورغم معارضة مجلس الأمن لغزو العراق إلا أن واشنطن لم تلقِ اعتباراً لمتطلبات القوانين الدولية، ومضت في سبيلها لا تلوي على شيء واحتلت العراق..
وتبعها تشظي المنطقة وظهور إرهاب داعش.. وقد وصف الصحفي الأمريكي المخضرم، سكوت أندرسون، أرض العرب من بعد الغزو بالأراضي المتصدعة. ربع قرن على أحداث سبتمبر وما زالت المنطقة تعاني من ويلات ذاك اليوم.. وما أشبه الليلة بالبارحة.