أحياناً تأخذنا قراءة فكرة جديدة إلى مكان قديم نعرفه جيداً، ثم نفاجأ بأننا نراه بطريقة مختلفة تماماً، حدث معي هذا وأنا أقرأ دراسة حديثة للباحث غوستاف فولينتز من جامعة لينيوس في السويد، نُشرت هذا العام بعنوان «تراث الإمكانية والأمل في أزمنة اليأس».
توقفت طويلاً أمام كلمة «الإمكانية»، لأنها تضع أمام الباحث في التراث سؤالاً غير مألوف: ماذا ورثنا من الأشياء التي فكر فيها السابقون وبدأوها، ثم أخذ الزمن حياتهم في اتجاه آخر؟
وماذا بقي في الماضي من أفكار ومعارف وتجارب كانت تحمل طرقاً عدة للتطور، بينما اختارت الظروف التاريخية طريقاً واحداً منها؟
نحن نعرف الماضي من خلال ما تحقق فيه، بيت بُني، وأداة استُخدمت، وكلمة قيلت، وقرار اتخذ، وعادة استقرت، وطريقة حياة انتقلت بين الأجيال، غير أن كل حياة إنسانية كانت محاطة أيضاً باحتمالات كثيرة، فالناس يفكرون ويجربون ويعدلون ويتركون أعمالاً في منتصف الطريق، ويصلون إلى معرفة ثم تتغير ظروفهم قبل أن تتطور.
وتظهر لديهم حاجة إلى حل مشكلة ما فيبتكرون حلاً يناسب ما توفر لهم في زمنهم، وحين يصل ذلك كله إلى الباحث بعد عشرات السنين، يرى النتيجة التي بقيت أمامه، بينما تختفي غالباً الطرق الأخرى التي كانت مفتوحة حولها، ومن هنا بدأت أتساءل: هل يستطيع التراث أن يحفظ أثراً لتلك الطرق أيضاً؟
يقدم فولينتز فكرة مثيرة حول الإمكانات التي بقيت دون تحقق في الماضي، ويرى أن حضورها يمكن أن يمتد إلى الحاضر وأن يفتح أمام الإنسان مسارات للمستقبل.
وقد وجدت نفسي أفكر في المسألة من زاوية اجتماعية، فالإنسان حين يصنع شيئاً يضع فيه جزءاً من معرفته بالعالم، وحين يختار كلمة يضع فيها تمييزاً أدركه، وحين ينظم مكاناً يكشف عن تصور للعلاقة بين الناس، وحين يبتكر طريقة لحل مشكلة يترك وراءه منطقاً يمكن قراءته بعد زوال المشكلة نفسها، ولهذا قد تحمل الأشياء القديمة معرفة أوسع من الوظيفة التي أدتها في زمنها.
خذوا أسماء الأماكن مثلاً.. كم مرة مررنا باسم قديم لمنطقة أو موضع ولم نسأل لماذا سماه أهل الإمارات بهذا الاسم؟ بعض الأسماء ارتبط بصفة في الأرض، وبعضها بنبات أو ماء أو تضاريس أو واقعة أو جماعة بشرية أو نشاط عرفه المكان.
الاسم هنا يصبح وعاء صغيراً للمعرفة، أجيال كاملة قد تتغير، ويتحول شكل المكان، ويبقى الاسم شاهداً ينتظر السؤال الصحيح، وقد يستطيع باحث في البيئة أو اللغة أو الاجتماع بعد زمن طويل أن يستخرج من كلمة واحدة معرفة عن مكان اختفت بعض ملامحه من المشهد.
وجدت أن مفهوم الأمل عند فولينتز مرتبط بصورة جميلة بالإمكانية؛ الأمل هنا فعل ذهني يدفع الإنسان إلى اكتشاف طريق يمكن السير فيه، والإمكانية تمنحه مادة يتخيل منها ذلك الطريق. يصبح الماضي، وفق هذه القراءة، قادراً على المشاركة في صناعة المستقبل من خلال الأسئلة التي يضعها أمام الحاضر، ويصبح الباحث وسيطاً بين معرفة اكتسبها إنسان قبل أجيال وعقل جديد يستطيع أن يقرأها في ظروف مختلفة.
وأفكر هنا في آلاف الوثائق والصور والمراسلات والأسماء والمفردات والروايات التي جمعتها المؤسسات والباحثون والأسر الإماراتية عبر عقود. قيمة هذه المواد ستتغير مع تغير الأسئلة التي نوجهها إليها.
وثيقة قرأها باحث قبل 30 عاماً بحثاً عن معلومة تاريخية قد يقرأها باحث شاب اليوم بحثاً عن أنماط العلاقات الاجتماعية، وقد يأتي باحث بعد عقود فيقرأها بأدوات معرفية وتقنية لم تظهر بعد. المادة واحدة، بينما تتسع إمكاناتها كلما ظهر سؤال جديد.
ونعود إلى السؤال الذي بدأت منه: ماذا ورثنا من أجدادنا؟ أعتقد أن الإجابة تمتد إلى ما صنعوه وما عرفوه وما لاحظوه، وإلى الأسئلة التي بقيت مفتوحة داخل تجربتهم الإنسانية.
بعض الأفكار أكملت رحلتها في زمنهم، وبعضها وصل إلينا في كلمة أو اسم أو وثيقة أو تفصيل صغير ينتظر قراءة جديدة، وبعضها قد يجد بعد سنوات طويلة من يكتشف فيه طريقاً لم ننتبه إليه نحن.
هكذا أفهم «تراث الإمكانية».. الماضي يترك للحاضر مادة للتفكير، والحاضر يضيف إليها أسئلته وأدواته، ثم يأتي المستقبل ليقرأ الاثنين معاً، وكل جيل يضيف طبقة جديدة إلى هذه الرحلة الإنسانية الطويلة، وربما يكون أجمل ما تركه لنا الأجداد ذلك الجزء من مستقبلهم الذي ينتظر أن يصبح جزءاً من مستقبلنا.