اجتماع قيادتي أكبر دولتين، الخميس الماضي، كان أول موضوع في أجندته الذكاء الاصطناعي، ولا تفتح أي وسيلة إعلامية، اليوم، إلا والنقاش عن مخاطر الذكاء الاصطناعي على رأس الحديث. في الأغلب «عميان يصفون الفيل»، كل يصفه حيث يلمسه.
ويقترب صدور كتاب عن «الذكاء الاصطناعي والتنمية في الخليج»، يضم أبحاث لقاء منتدى التنمية، الذي عقد في المنامة 7 فبراير الماضي، والمنتدى تجمع خليجي تطوعي، يلتقي أعضاؤه كل عام في عاصمة خليجية، ويحاولون قراءة قضايا المنطقة من زاوية التنمية، وقد نشر حتى الآن أكثر من 30 كتاباً، متاحة مجاناً على الإنترنت في مجالات مختلفة.
اختار الزملاء موضوعاً دخل بيوتنا وأعمالنا قبل أن نتفق على فهمه. الذكاء الاصطناعي يكتب ويترجم ويجيب، وأحياناً بثقة - يحسد عليها - عن أصعب الأسئلة، هناك من ينتظر منه حل مشكلات العالم، ومن يخشى أن يستغني العالم به عن جهد الإنسان، أما السؤال الذي يهمنا في الخليج فهو: ماذا نستطيع أن نفعل بهذه التقنية لتحسين حياة الناس؟
لدينا أرضية تساعد على ذلك، فقد تقدمت الرقمنة في الخدمات الحكومية والتعليمية والتجارية والصناعية والطبية في دول الخليج، وصار إنجاز كثير من المعاملات ممكناً من الهاتف.
من يتذكر رحلة الورق بين المكاتب والأختام التي تحتاج إلى مطاردة يعرف قيمة هذا التغيير، لكن الرقمنة والذكاء الاصطناعي مرحلتان مختلفتان، نقل الاستمارة إلى الشاشة شيء، واستخدام البيانات لفهم المشكلة واقتراح حل لها شيء آخر، وهنا تبدأ الفرصة وتبدأ معها مسؤولية أكبر.
يمكن لهذه الأدوات أن تساعد الطبيب في قراءة الفحوص، والمعلم في معرفة مواضع تعثر الطالب، والمصنع في تقليل الهدر، ويمكن أن توفر وقت الموظف، ولكن شراء البرنامج أسهل كثيراً مِن إعداد مَن يحسن استخدامه، أخشى أن ننشغل بعدد الأجهزة، ونترك السؤال الأصعب: هل تحسنت الخدمة فعلاً؟ وهل تعلم العاملون شيئاً جديداً، أم صاروا ينتظرون ما تقوله الشاشة؟
في التعليم مثلاً يستطيع الطالب أن يسلم بحثاً مرتباً لم يكتب منه سطراً، ولكنه يتخرج من دون أن يعرف كتابة خطاب، وإذا كان التعليم يهدف لتحسين جودة رأس المال البشري فيجب أن تصبح مراجعة استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم تحدياً ضخماً أمامنا، وإن ظل طلابنا يطاردون التقنية بفشل التعليم فعلينا أن نبتكر طرقاً في التعليم مختلفة عما نقوم به الآن، ثم تأتي الخصوصية حين نقدم معلوماتنا الصحية والمالية والعائلية إلى نظام ذكي، فمن يملكها؟ ومن يستطيع الاطلاع عليها؟
وإذا أخطأ النظام في قرار يمس حق مواطن في خدمة فإلى من يتظلم؟ هذه أسئلة تمس الحياة اليومية. يحتاج الناس إلى إجابات واضحة، وإلى جهة تتحمل المسؤولية، لا إلى عبارة «النظام رفض» التي نسمعها أحياناً، وكأن النظام صاحب سلطة لا تناقش.
العالم لا يزال في حيرة تجاه القادم الجديد، لذلك هو اليوم على رأس أي نقاش، ومن الطبيعي ألا تكون لدينا جميع الإجابات النهائية.
قيمة الكتاب القادم الذي سيصدره منتدى التنمية الخليجي أنه يفتح نقاشاً خليجياً حول استخدام هذا التطور في التنمية، وما يصاحبه من مخاطر، ومن المفيد أن تصل هذه الأبحاث إلى المدارس ومجالس الإدارات، ويطرح للنقاش العام، فتخرج من دائرة الحيرة إلى اليقين، وأعتقد أن الجامعات ومؤسسات البحث معنية بتحويل النقاش إلى تدريب وتجارب قابلة للتقييم.
نحتاج إلى شباب يفهمون التقنية، ويشاركون في تطويرها، وإلى إدارة تعترف بالخطأ وتصححه، أما الاكتفاء بالانبهار فلن يصنع معرفة، والخوف وحده لن يحمي وظيفة، وقد يكون أنفع ما نبدأ به سؤال المستخدم العادي عما تغير في يومه، وما بقي يعطله، ثم الإصغاء إلى جوابه جيداً.