كان أبوالطيب المتنبي، شاعر العربية الأكبر، قد عاش ومات في القرن الرابع الهجري، ورغم انقضاء أكثر من ألف عام على حياته ومماته، فإن الكثير مما قاله لا يزال حياً بيننا، ولا تزال الأيام تقول إن الله تعالى كان قد أعطى شاعرنا موهبة عالية، ومع الموهبة أعطاه بصيرة شبيهة ببصيرة زرقاء اليمامة، فالرجل جاء عليه وقت كان يتلفت فيه حوله، فلا يجد أحداً يجالسه إلا كتابه الذي كان في يده، فأطلق بيتاً من الشعر عاش من يومها إلى اليوم، وصار شطره الثاني مثلاً باقياً نردده كلما وجدنا أن ما أمامنا يدعونا إلى أن نتذكره، ونتذكر صاحبه معه، ثم نردده لنستأنس به، ونعيش عليه فيما نعيش.
كان شطر بيته يقول:
وخيرُ جليس في الزمان كتابُ
ولسنا نعرف شكل الكتاب الذي كان أبوالطيب يطالعه ويعرفه في زمانه، ولا نعرف ما إذا كان كتاباً من الجلد والرقائق، أم أنه كان من الورق كما هو في أيامنا، أو مما يشبه الورق؟ ولكن ما نفهمه أنه كان ينطوي بين غلافيه على كلام مكتوب، وأن صاحب الكتاب في تلك الأيام كان يطالع كتابه بين يديه بعينيه مكتوباً، لا بأذنيه صوتياً كما نسمع في أيامنا هذه عن الكتاب المسموع، ولا رقمياً كما قد يكون بعضنا قد طالعه على هاتفه المحمول في يده.
فالكتاب هذه الأيام إما مكتوب على ورق كما عاش دائماً، وإما مسموع تتابعه بأذنيك وأنت في أي مكان، وإما رقمي تطالعه على أي جهاز من أجهزة تكنولوجيا العصر.
وقد جاء وقت ساد فيه ظن لدى كثيرين بيننا أن الغلبة للنوعين الثاني والثالث، وأنهما يكسبان أرضاً جديدة كل يوم، وأن الأول يتراجع ويخسر الأرض التي كانت تحت قدميه، وأن الدنيا قد «راحت عليه» بالتعبير الشائع بيننا!
وكنت أنت ترى أحياناً أن هناك فلاناً من الناس يستقل القطار مثلاً، بينما السماعة في إحدى أُذنيه يتابع من خلالها كتاباً يتلوه عليه جهاز الموبايل، الذي في يده ! وكان الذين يتابعون ذلك ويرونه يدهشهم أن تكون هذه قراءة، أو أن يستطيع المرء أن يُلم بكتاب بهذه الطريقة، أو أن يستوعبه، ثم يهضمه كما يهضم قارئ الكتاب التقليدي المكتوب ما يجده فيه بين غلافيه!
أو كنت تجد أن فلاناً من الناس يتصفح كتاباً على شاشة جهاز «الآي باد» في يده، فإذا انتهى منه طوى الصفحات الرقمية، وأطفأ «الآي باد» واستراح!
كان الواحد منا يتابع ذلك من حوله، ويدهشه أن تكون هذه هي القراءة الجديدة في عصرنا، ويشفق في الوقت نفسه على الكتاب الورقي الذي عشنا نتصور أنه باق، وأنه لا غنى عنه، وأنه لا الرقمي يمكن أن يحل في مكانه ولا المسموع، ولكن التطورات لم تشأ للدهشة أن تطول ولا الإشفاق، وخرج علينا مركز «بيو الأمريكي للأبحاث» من مقره في واشنطن بدراسة تقول، إنه لا الرقمي نال من الورقي ولا المسموع، وإن ثلث الأمريكيين فقط هُم الذين قرأوا شيئاً من الكتب رقمياً، وأن الثلثين من الأمريكيين يتابعون الكتب المنشورة ورقياً، ويفضلونها على ما سواها، ومهما كان الرقمي يقدم من الإغراءات ومعه المسموع، وأن هناك عودة تدريجية إلى الورقي كل يوم!
هذه دراسة منشورة هذه السنة للمركز الأمريكي الشهير، ولا معنى لها إلا أن القراءة بين غلافين لا تزال هي المحببة للقارئ، وأنه قد يهجرها إلى الرقمي أو المسموع، ولكنه سرعان ما يعود إليها، ولسان حاله هو لسان حال الشاعر الذي عاش يقول:
نقْل فؤادك حيث شئتَ من الهوى
ما الحبُ إلا للحبيب الأولِ
كَم منزِلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الفَتى
وحنينُهُ أبداً لأوَّلِ منزلِ
ولا بد أن كثيرين سوف يرسلون تحية على البعد للمركز الأمريكي، وهُم يرونه ينتصر للكتاب الورقي ويرد إليه الاعتبار، ويدعو بالتالي إلى أن يعود خير جليس بيننا كما عاش.
