في كلمته المطولة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمدة 44 دقيقة كاملة.
العديد من خبراء الشؤون الإسرائيلية ناقشوا وفندوا وانتقدوا الكلمة، واليوم سنركز فقط على عبارة وردت وترددت كثيراً في الخطاب، وهي قول نتنياهو إن «الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، خصوصاً خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، ابتداء من 7 أكتوبر 2023 وحتى هذه اللحظة.
هذه المقولة يكررها نتنياهو وقادة ومسؤولو الحكومة الحالية والحكومات السابقة وقادة الجيش مراراً وتكراراً، منذ الإعلان عن قيام إسرائيل عام 1948 وحتى العدوان الأخير على غزة. هم يكررونها اعتقاداً أن ذلك حقيقة.
هذه الكذبة ربما انطلت على بعض الناس خارج فلسطين لسنوات طويلة، لكن من المؤكد أن كثيرين توقفوا عن تصديقها بعد أن شاهدوا حجم ما ارتكبته إسرائيل من جرائم وحشية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
السؤال البديهي الذي يسأله كل من استمع إلى كلمة نتنياهو هو: إذا كان الجيش الأكثر أخلاقية في العالم قد قتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، وأصاب أكثر من 197 ألفاً آخرين، ودمر القطاع تقريباً، فكيف كان سيكون عليه الحال إذا لم يكن الأكثر أخلاقية؟!
نتنياهو تحدث بكلمات عاطفية لاستمالة الناخبين الإسرائيليين واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، والرد عليه لا ينبغي أن يكون بنفس الأسلوب، بل بالأرقام والبيانات والوقائع والأدلة الملموسة.
التقدير المشترك للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة يقول إن الخسائر التي سببها الجيش الإسرائيلي في القطاع حتى أكتوبر من العام الماضي فقط، كانت كالاتي:الأضرار المباشرة في الأصول والمنشآت بلغت 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية تقدر بـ 22.7 مليار دولار، أما تكلفة التعافي وإعادة الأعمار، فتحتاج إلى أكثر من 71 مليار دولار، وهو نفس الرقم تقريباً الذي قدره قبل أيام مجلس السلام، الذي شكّله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولم يفعل شيئاً حتى الآن.
الجيش الأكثر أخلاقية دمر نحو 80 % من مساكن ومنشآت وطرقات قطاع غزة، وجعل أكثر من 1.2 مليون فلسطيني بلا مأوى. وهذا العدوان أنتج نحو 54 مليون طن من الأنقاض، تحتوي على ذخيرة غير متفجرة، ومخلفات صناعية ومعادن ثقيلة، ناهيك عن التلوث البيئي الكبير، وقبل هذا وذاك، آلاف الجثث الموجودة تحت الأنقاض، ولم يتمكن أحد من انتشالها، لرفض إسرائيل إدخال المعدات اللازمة.
تقول الوقائع إن هذا الجيش الأكثر أخلاقية، يحشر غالبية سكان غزة في شريط ضيق على شاطئ البحر، لا تتجاوز مساحته ثلث مساحة القطاع، حتى يجعله غير قابل للحياة، ليسهل تهجير الفلسطينيين منه إلى الأبد.
وارتكبت حركة «حماس» خطأً سياسياً قاتلاً حينما نفذت عملية 7 أكتوبر، لأن الحكومة المتطرفة في إسرائيل استغلت هذه العملية لتنفيذ أكبر عدوان على الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، ومحاولة ليس فقط تصفية القضية الفلسطينية، ومنع إقامة الدولة المستقلة، ولكن أيضاً تهجير الفلسطينيين.
وإذا كان الجيش الإسرائيلي يتذرع بعملية 7 اكتوبر لتنفيذ العدوان على القطاع، فما الذي فعله الفلسطينيون في الضفة الواقعة تحت الاحتلال الفعلي، حتى يقوم هذا الجيش بحماية ورعاية ودعم المستوطنين الذين يعيثون فساداً في الضفة، قتلاً وترهيباً وتدميراً للبيوت والمزارع والأراضي والمدارس؟!!
أحد وزراء حكومة نتنياهو، وهو ايتمار بن غفير، يقوم بتسليح المستوطنين حتى يعتدوا على الفلسطينيين، وقد رأيناهم يحاصرون العديد من قرى الضفة، ويمنعون الماء والغذاء عن السكان، في حماية ورعاية الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.
وفي الأسابيع الأخيرة سمعنا و وقرأنا عن مشروع E1، الذي يتضمن إنشاء 3401 وحدة سكنية، لكن خطورته الأكبر أنه يعزل شمالي الضفة عن جنوبيها، ويفصلها بكاملها عن القدس، والهدف هو تحويل أراضي الفلسطينيين إلى بؤر متناثرة، تحيطها المستوطنات من كل جانب، تمهيداً لترحيل الفلسطينيين.
قد يقول قائل إن كل ما سبق هو دعاية كاذبة ضد إسرائيل وجيشها، لكن وكما يقولون فقد شهد شاهد من أهله، حيث رأينا كبار السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يقولون إن ما فعله الجيش الإسرائيلي يرقى إلى جرائم الحرب.