ما زلت أتذكر جيداً كيف غمرتني سعادة لا أستطيع وصفها حين دربت، قبل أكثر من عشرين عاماً، ثلة من خيرة العاملات في «مركز الاستماع» بالكويت على فنون الإنصات، مستنداً إلى أفضل التطبيقات والدراسات في هذا المجال، فقد فوجئت بعمق خبرات المشاركات وجديتهن في إصلاح ذات البين عبر هذا المركز الرائد، وهو مشروع وقفي، أطلقته الأمانة العامة للأوقاف لاستقبال المشكلات الاجتماعية والنفسية والتربوية عبر الهاتف، وتقديم التوجيه بسرية تامة، وكلما انتقلت إحداهن من قصة إلى أخرى وجدتها أكثر ثراء من سابقتها، وكلها تكشف روعة إعداد من يعملن في هذا المركز الإنساني المهم.
أهديتهن نسخاً من كتابي «أنصت يحبك الناس»، عربون شكر وتقدير لما يقمن به، ثم أضفت تجربتهن إلى طبعة لاحقة من الكتاب، وهو ضمن سلسلة كتبي عن فضيلة الإنصات.
وقد استقبل المركز، بحسب إحصاء منشورة عام 2010، أكثر من 11 ألف حالة، كان معظمها مشكلات اجتماعية ونفسية وأسرية.
تذكرت تلك التجربة وأنا أقرأ، أول من أمس، في وكالة أنباء الإمارات «وام» خبر نجاح هيئة تنمية المجتمع في دبي في تحقيق الصلح في نحو 95 في المئة من الاستشارات الأسرية، خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وهي نسبة مدهشة.
وأياً تكن النسبة فإن كل حالة صلح تُعد إنجازاً مهماً بحد ذاتها، لأن البديل ربما كان تصدع علاقة أو انهيار أسرة وتشتيت أبناء.
وحين تتبعت ما يحدث في دول الخليج وجدت توجهاً مؤسسياً يستحق التقدير، فقد بلغت نسبة الصلح في نحو نصف دعاوى الطلاق في قطر (48 %) خلال ستة أشهر، وسجلت البحرين كذلك نسبة صلح أسري بلغت (44.4 %) من الحالات عام 2025، ونجحت لجان التوفيق والمصالحة بسلطنة عُمان في تسوية 9625 طلباً بنسبة 87 في المئة، وإن كانت تشمل منازعات شرعية ومدنية وتجارية، وفي السعودية أصدر مركز المصالحة أكثر من 132 ألف وثيقة صلح خلال عام 2024.
هذه الأرقام ليست متطابقة في نطاقها أو طريقة احتسابها، لكنها تتفق في دلالة مهمة، وهي أن إصلاح ذات البين لم يعد اجتهاداً فردياً، بل أصبح عملاً مؤسسياً، له متخصصون ومنصات ومؤشرات أداء.
أنا أعمل محكماً تجارياً، وأدرك أن هذا الميدان يحفل بآليات مؤسسية، تساعد على تسوية المنازعات خارج أروقة المحاكم، لكن ما يعنيني هنا، تحديداً، هو آليات إصلاح المشكلات الاجتماعية، ذلك أن المسؤول، مهما علت مرتبته في العمل، سيظل يعيش في قلق واضطراب إذا لم تستقر حياته الأسرية، وهناك كثيرون لا يجدون ضالتهم في مرشد مؤهل تأهيلاً علمياً ومهنياً جيداً.
وما أخشاه ما أخبرني به أحد المستشارين النفسيين في أحد البلدان العربية، وهو أن كثيراً من زملائه في القطاع الخاص لا يراهم مؤهلين بما يكفي لتقديم استشارات تحل مشكلات الناس، وهذا يطرح تساؤلات كبرى: هل كل من يعمل في ميادين الاستشارات الاجتماعية والنفسية مؤهل بشكل جيد؟ وهل هناك اختبارات أو متابعة دورية للأداء والنتائج؟ وهل يصنفون وفق معايير مهنية؟ وذلك حتى يمكن تطوير أداء المتراجعين منهم، والارتقاء بهم إلى مصاف خيرة المهنيين.
ولا يقتصر الخطر على المستشار غير المؤهل فقط، فقد تقع الزوجة فريسة امرأة «مخببة» أو رجل «مخبب»، والمخبب هو كل من يؤلب الإنسان على زوجه بتضخيم هفواته إما لغاية في نفسه، وإما بكلمة عابرة لم يتوقع أن تبلغ هذا الحد من الخصام والشقاق، فبعض البيوت لا تهدمها مشكلة بل كلمة صغيرة قيلت في غير موضعها، فقد تدمر نصيحة متعجلة حياة أسرة كاملة، ولذلك من المهم أن تقوم الدولة (باعتبارها كياناً لا يستهدف الربح) بمراجعة جودة أداء من يتصدون لتقديم الاستشارات في القطاعين العام والخاص، كما ينبغي أن ترصد البلدان ميزانيات أكبر، وفق أسس وخطط واضحة ومؤشرات أداء، تقيس بها تقدم جهودها، حتى لا تذهب الأموال سُدى، والأهم ألا ينفرط عقد الأسرة بسبب استشارة غير مؤهلة.