خديعة الرفاه الرقمي

يفرض الواقع المعاصر سياقاً اتصالياً معقداً، يدفعنا نحو تأمل المسارات الخفية التي تسلكها التكنولوجيا في توجيه خياراتنا الإنسانية اليومية، وصياغة وعينا الجمعي، ويأخذنا هذا التأمل مباشرة إلى تفكيك ما يدور خلف الكواليس الافتراضية عبر نافذة «نظرية مجتمع المنصات»، التي صاغتها الباحثة الإعلامية الهولندية خوسيه فان دايك، بالتعاون مع فريق بحثي من جامعة أكسفورد عام 2018، لتفتح أعيننا على التطور الهيكلي للشبكات الحديثة، وتتجلى أهمية هذه النظرية العلمية في تقديم قراءة دقيقة توضح كيف تحولت وسائل التواصل من مجرد أدوات بريئة لنقل المحتوى والتراسل بين البشر، إلى بنى تحتية عميقة وذكية تعيد هندسة الفضاء العام وتتحكم في صياغة التوجهات المجتمعية.

إننا أمام نظام مؤسسي نافذ يفرض معاييره وشروطه الخاصة على السلوك البشري اليومي، ما تسبب في تراجع ملحوظ لدور المؤسسات الإعلامية التقليدية أمام سلطة الشركات العابرة للحدود التي تدير التدفقات المعرفية والاقتصادية وفق رؤيتها الاستثمارية البحتة، وهو ما يدعونا إلى الالتفات نحو البنية التحتية التكنولوجية التي توجه حركة المجتمعات بشكل غير مرئي وتؤثر على ثقافتنا السائدة، فنحن نتحدث هنا عن قوة ناعمة، لكنها قوية التأثير في إعادة رسم أولويات التفكير الإنساني الفردي والجمعي..!

وحين نتعمق في جوهر هذه النظرية الإعلامية، نكتشف أن المحرك الأساسي لهذه المنصات يكمن في آلية «تسييل البيانات»، التي تفكك الأنشطة الاجتماعية الإنسانية والعلاقات الشخصية، وتحولها إلى أرقام ومؤشرات كمية قابلة للتداول التجاري الفوري، وهذا التصميم الرقمي يسمح للخوارزميات بتحويل المشاعر والاهتمامات اليومية للمستخدمين إلى مادة خام تخضع للمزادات الإعلانية الفورية، ما أنتج نمطاً اقتصادياً جديداً أعاد صياغة المعايير المهنية للعمل الإعلامي بأسره..!

ومن واقع قراءتي للمشهد، ألاحظ كيف حل منطق معدل التفاعل الرقمي بدلاً من معايير جودة المادة أو مدى توافقها مع الاستقرار والقيم المجتمعية، وهو منطق مادي يتغذى على الاستقطاب الفكري وتأجيج النقاشات الحادة، لضمان بقاء المستخدمين لأطول فترة ممكنة داخل تلك الأنظمة المغلقة، ما يؤدي بالضرورة إلى تضليل الرأي العام، وتحويله إلى جزر معزولة يصعب معها بناء توافق مجتمعي حول القضايا التنموية والمصيرية، ويجعل الفرد أسيراً لفقاعة فكرية، تعيد تكرار آرائه وقناعاته الشخصية، دون منحه الفرصة للاطلاع على الوجه الآخر من الحقيقة والمعرفة المتوازنة..!

وتشير مخرجات هذه النظرية - في أبعادها العالمية - إلى امتداد هذا التغلغل التقني ليقترب من قطاعات خدمية وتربوية حيوية مثل مجالي التعليم والصحة، حيث ترصد النظرية مخاوف دولية حول تبعية المنظومات الأكاديمية والطبية للسحابات الرقمية التابعة للشركات التقنية الكبرى خارج الحدود، وفي المقابل، تبرز دولة الإمارات كنموذج عملي للاستجابة الوطنية الرائدة في التعامل مع هذه المخاطر بالكامل، من خلال تأسيس منظومة حوكمة تشريعية اتحادية متكاملة، لحماية البيانات الشخصية بصرامة قانونية، ويتجسد هذا الإشراف الوطني عملياً في تطوير السحابة السيادية الوطنية ومراكز البيانات المحلية فائقة الأمان، تحت مظلة مجلس الأمن السيبراني، ما يضمن تخزين وإدارة البيانات الحيوية للمواطنين والمقيمين داخل حدود الدولة، بمفاتيح تشفير وطنية مستقلة خاضعة للمنظومة القضائية والرقابية المحلية، لتقدم الدولة نموذجاً ملهماً يثبت أن ريادة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي الشامل لا يعنيان الاستسلام لمنطق المنصات التجارية، بل إخضاع التكنولوجيا بالكامل لخدمة المجتمع بكفاءة وأمان.

ومما لا شك فيه أن مواجهة هذه التحديات التكنولوجية، تضع الإعلام الوطني والصحافة المحلية أمام مسؤولية كبيرة، لإنتاج فكر استباقي يتجاوز القوالب الخبرية التقليدية، ويتطلب هذا المنعطف من مؤسساتنا الصحفية التحول الفوري نحو التحليل الرصين القادر على تقديم قراءات تفكك للجمهور آليات توجيه الرأي العام عبر الفضاء الافتراضي، كما أن الرهان الحقيقي يكمن في ابتكار مضامين ذكية، تخاطب العقول وتنافس بجاذبيتها سرديات المنصات التجارية، ليكون إعلامنا حارساً معرفياً وحصناً فكرياً منيعاً، يوجه البوصلة نحو قضايا الابتكار والبناء التنموي.

وهذا التوجه المسؤول هو الدور الحقيقي المنوط بالمؤسسات الإعلامية الرصينة، التي تدرك أن تحصين المتلقي يتطلب الارتقاء بجودة الطرح، ليظل الخبر المحلي هو المصدر الأول الموثوق لبناء القناعات، وبذلك تكتمل الحماية الفكرية للمجتمع بالتوازي مع الحماية التقنية والسيادية الفائقة التي تقودها الدولة، مجسدة أرقى صور المسؤولية المهنية الشاملة، لمواكبة مسيرة الازدهار والتقدم والريادة الوطنية.