قد يبدأ الأمر بقرار طلاق، ثم يتحول سريعاً إلى نزاع حول الحضانة أو الأوراق الثبوتية، أو الرؤية، أو النفقة، لتصبح حياة الأبناء نفسها ساحة للخلاف بين الوالدين، وفي كثير من الحالات، لا يكون الطفل طرفاً في النزاع، لكنه يصبح أكثر من يدفع ثمنه، ومن هنا تأتي أهمية اعتماد سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، بصفته رئيساً لدائرة القضاء في أبوظبي، «الميثاق بعد الفراق» بما يحمله من توجه واضح نحو تنظيم العلاقة بين الوالدين بعد الانفصال، ووضع مصلحة الأبناء في مقدمة الاعتبارات.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة من واقع الممارسة العملية في قضايا الأحوال الشخصية والمنازعات الأسرية، حيث تكشف العديد من الدعاوى أن الخلاف بين الوالدين لا يتوقف في كثير من الأحيان عند حدود العلاقة الزوجية، وإنما يمتد إلى تفاصيل حياة الأبناء وحقوقهم الأساسية، بما قد يحول تلك الحقوق إلى أدوات للضغط المتبادل، ويجعل الأبناء الطرف الأكثر تضرراً من النزاع، فقد مرّت حالات يتعنت فيها الأب، بعد وقوع الطلاق أو أثناء اشتداد الخلاف، في الموافقة على نقل الأبناء إلى مدرسة أخرى تكون أقرب إلى مسكن الحاضنة، رغم أن الانتقال قد يكون أكثر ملاءمة لاستقرارهم وحياتهم اليومية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعطيل الإجراءات وتأخير التحاقهم بالعام الدراسي، فيجد الطفل نفسه ضحية خلاف لا علاقة له به، وفي حالات أخرى، تظهر مشكلة مختلفة عندما يمتنع الأب عن تسليم الأم الأوراق الثبوتية الخاصة بالأبناء أو يتأخر في تمكينها منها، فتتعطل معاملات دراسية أو صحية أو إدارية تتعلق بمصلحتهم، وفي المقابل، كانت هناك حالات تتعنت فيها الأم في تمكين الأب من رؤية أبنائه أو التواصل معهم، بما يتجاوز حدود الخلاف بينها وبين الأب ليؤثر بصورة مباشرة في علاقة الأب بأبنائه.
وهنا تتضح أهمية الفكرة التي يقوم عليها الميثاق؛ فالطفل ليس وسيلة ضغط، والرؤية ليست سلاحاً، والنفقة ليست ورقة للمساومة، والموافقة على التعليم ليست أداة للانتقام، والأوراق الثبوتية ليست ملكاً لأحد الوالدين حتى يستخدمها في مواجهة الآخر، إن ما يتكرر عملياً في المنازعات الأسرية يؤكد أن انتهاء العلاقة الزوجية يحتاج إلى قدر أكبر من الوعي والمسؤولية، لأن الأب والأم قد يختلفان كزوجين، لكنهما يظلان شريكين في مسؤولية الأبناء، ولذلك يؤكد الميثاق ضرورة التعاون في التربية الأخلاقية والدينية، ومتابعة التعليم والرعاية الصحية، وتبادل المعلومات والتقارير الدراسية، والاطلاع على الأنشطة المدرسية وكل ما يتصل بحياة الأبناء ومستقبلهم، وهذا التعاون لا يعني استمرار العلاقة بين الزوجين، وإنما يعني استمرار المسؤولية الوالدية، فالطفل يحتاج إلى أب وأم يمارسان دورهما بصورة متوازنة، حتى وإن أصبح كل منهما يعيش في منزل مختلف.
فكثير من النزاعات التي تبدأ بمسألة بسيطة يمكن أن تتطور إلى خصومة قضائية طويلة، ليس بسبب تعقيد الحق ذاته، وإنما بسبب غياب الحوار والتعاون بين الوالدين، ولهذا فإن التوجه نحو التسوية الودية والتوجيه الأسري يمثل خطوة مهمة لتجنب التصعيد، إذ يُعرض الميثاق على الوالدين بعد الانفصال، ويُتاح لهما الاتفاق على أحكامه كلياً أو جزئياً، بما يساعد على وضع قواعد واضحة للتعامل مع الأبناء، كما أن اللجوء إلى مركز التوجيه الأسري قبل المحكمة يمنح الوالدين فرصة للتوصل إلى حلول عملية تراعي ظروف الأبناء واحتياجاتهم، بدلاً من أن تصبح كل مسألة جديدة سبباً لملف قضائي جديد، ولا شك أن تنظيم مسائل الحضانة والنفقة والرؤية والولاية التعليمية يستند في النهاية إلى أحكام قانون الأحوال الشخصية الاتحادي، لكن القيمة المضافة لهذا التوجه تتمثل في محاولة الانتقال من إدارة النزاع بعد وقوعه إلى الوقاية منه قبل أن يتحول إلى أزمة.
«الميثاق بعد الفراق» أعاد تعريف مفهوم الانفصال فانتهاء الزواج لا يعني انتهاء الأبوة، ولا انتهاء الأمومة، ولا انتهاء المسؤولية المشتركة عن مستقبل الأبناء، فالأب الذي يمنع أو يؤخر ما يحتاجه أبناؤه من تعليم أو أوراق أو إجراءات، والأم التي تمنع أو تعرقل علاقة الأب بأبنائه، كلاهما قد ينقل خلافه الشخصي إلى مساحة لا ينبغي أن يدخلها الأطفال، إن أفضل انتصار بعد الطلاق ليس أن ينتصر الأب على الأم أو الأم على الأب، وإنما أن يخرج الأبناء من الخلاف بأقل قدر ممكن من الأضرار، فالزواج قد ينتهي، والسكن قد يتغير، والحياة قد تأخذ مساراً جديداً، لكن مصلحة الأبناء يجب أن تبقى نقطة الالتقاء التي لا يجوز أن يختلف عليها الأب والأم. افترقوا كزوجين إن تعذر استمرار الحياة المشتركة، لكن لا تجعلوا أبناءكم يدفعون ثمن الفراق.
