يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: «العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، أي إن كل الناس قد أُعطوا من العقل نصيباً دون تفضيل بين هذا وذاك.
وعندما سُئل: إذاً، كيف يختلف الناس في درجات عقولهم وأفكارهم؟ قال إن هذا الاختلاف يأتي من إساءة استعمال الأداة «العقل»، وليس من الأداة نفسها.
ولعل مقولة ديكارت هذه تأخذنا إلى وجهات متعددة في معنى إساءة استخدام الأدوات التي نمتلكها، بغض النظر عن نوع الأداة التي هي في حوزتنا.
ففي كثير من الأحيان تكون الأداة علماً حظينا بتوفيق في التميّز فيه، ثم نركنه جانباً ولا نستخدمه كما ينبغي، وأحياناً قد تكون الأداة معرفة نمتلكها ولا نحسن توظيفها، أو موهبة نؤجلها حتى تفقد كثيراً من قيمتها، وربما تكون كلمة نملك القدرة على قولها في موضعها، فنسيء استخدامها أو نضعها في غير مكانها.
فليست قيمة ما نمتلكه في وجوده بين أيدينا فحسب، بل أيضاً في قدرتنا على معرفة متى نستخدمه، وكيف نستخدمه، ولأي غاية. وقد يمتلك اثنان الأداة ذاتها، إلا أن أحدهما يجعل منها طريقاً للبناء، بينما يحوّلها الآخر، بسوء استخدامها، إلى عكس الغاية التي وُجدت من أجلها.
ومن وجهة نظري، وبغضّ النظر عن مدى صحة مقولة ديكارت في تساوي الناس في العقل، فإن حسن استخدام الأداة وحده لا يكفي بالضرورة؛ فالأهم أن نعرف حجم الموقف الذي أمامنا، وما الذي يستحق أن نستخدمه من أدواتنا.
ففي المعارك، على سبيل المثال، ليس من الحكمة أن تستخدم كامل أسلحتك قبل أن تعرف مع مَن تخوض معركتك، ولا أن تستعرض كامل قوّتك أمام من لا يملك ما يوازيها؛ بل يكفي أن تستخدم من قوّتك بقدر ما يوازي قوة من أمامك وشجاعته.
وهكذا في بقية أمور الحياة الأخرى؛ فليست القوة في أن تستخدم كل ما تملك لمجرد أنك تملكه، وإنما في أن تعرف ما تستخدم، ومتى تستخدمه، ومع مَن تستخدمه. فبعض المواقف تحتاج إلى العلم، وبعضها إلى الكلمة، وبعضها إلى الصمت، وبعضها لا يستحق منك أصلاً إلا أقل القليل من الاهتمام.
فالحكمة ليست في كثرة الأدوات، ولا في استعراض القوة، وإنما في حسن تقدير المقام والمقال؛ لأن امتلاك الأداة قدرة، أما معرفة قدرها وموضع استخدامها فهي الحكمة؛ فلكلّ خصمٍ قدره، ولكلِّ موقفٍ من القوة ما يكفيه أو يكفي عنه.
