أمام رهبة الموت وفي حضرة جلاله يستشعر الإنسان عظمة الفقد وجلال الرزء والمصيبة، وتميد به الأرض ويتضعضع منه الرّكن حين يصاب بأخيه على وجه الخصوص، فالأخ هو السند والعضيد وسهم الكنانة، وكم كان المتنبي صادقاً حين وصف هذه اللحظات العصيبة في حياة الإنسان فقال:
يدفِّن بعضنا بعضاً ويمشي
أواخرنا على هام الأوالي
رماني الدهر بالأرزاء حتى
فؤادي في غشاءٍ من نِبال
فصرت إذا أصابتني سهامٌ
تكسّرت النصال على النصال
صلاة الله خالقنا حنوطٌ
على الوجه المكفّن بالجمال
وها هي دبي المدينة الوفيّة لفرسانها وعشاقها، وآل مكتوم الكرام الأمجاد يودّعون فارساً نبيلاً من فرسان هذه الديار هو الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، الشقيق الأصغر لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الذي صدّعت الدنيا فؤاده بفقدان إخوته الذين أحبهم من أعماق قلبه ونثر سيرتهم العاطرة فيما كتب بقلمه.
بحيث ظلّت أطيافهم تتراءى للناس رغم بعد المسافات، فهو لم ينسَ أبداً شقيقيه القريبين من قلبه وروحه، الشيخ مكتوم بن راشد بن سعيد آل مكتوم (ت2006م) والشيخ حمدان بن راشد بن سعيد آل مكتوم (ت 2021م)، رحمهما الله، وها هو يودّع اليوم وبحرف نازف شقيقه الأصغر الشيخ أحمد، رحمه الله، ويكتب في وداعه قائلاً:
«رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، رحمك الله يا أخي، حللت عند ربٍّ كريمٍ عظيمٍ، تغيب عن أعيننا ولا تغيب عن دعائنا وقلوبنا يا أحمد، أسكنك الله فسيح جنانه، وألهمنا وأحبابك الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون».
وكان مكتب ديوان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد نعى المغفور له الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم الذي انتقل إلى جوار ربه صباح أمس الاثنين، فيما أعلن الديوان الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام في دبي لمدة عشرة أيام اعتباراً من أمس الاثنين تعبيراً عن مكانة الفقيد، رحمه الله وتقبّله في الصالحين.
والشيخ أحمد بن راشد، رحمه الله، هو الابن الأصغر لطيّب الذكرى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ولد سنة 1950م.
وتخرّج في الأكاديمية العسكرية الملكية البريطانية ساندهيرست، ثم عاد إلى دبي ليلتحق بالقيادة العسكرية للمنطقة الوسطى التي تولّى قيادتها في وقت لاحق، كما شغل في فترة لاحقة منصب نائب رئيس شرطة دبي مع اهتمامه بالمجالات الاقتصاديّة والأمنية والرياضية.
حيث أسّس مضمار «جبل علي» ومركز «العاديات» تعبيراً عن شغفه بسباق الخيل، فقد حقّق حصانه «وصل» فوزاً كبيرا عام 1983م في سباق عالمي في إيرلندا ليكون بذلك أوّل مالك إماراتي يفوز بهذا السباق الكلاسيكي.
كما ترأس نادي الوصل الرياضي الذي كان له أثر كبير في تطوير الرياضة في الإمارات، كما كان من أبرز المساهمين في تأسيس وإطلاق نادي دبي الدولي للرياضات البحرية وتولى رئاسته سنة تأسيسه عام 1988م.
وأصبح النادي بفضل جهوده ودعمه، رحمه الله، أول نادٍ من هذا النوع في منطقة الشرق الأوسط، فترك بصمة لا يمكن نسيانها، وظلت مآثره تحكي قصة حبّه لبلاده، وبذله أقصى جهد في سبيل تطويرها ورفعة شأنها.
وكان سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي بدبي، قد نشر صورة لعمّه الشيخ أحمد، مصحوبة بالدعاء المأثور تعبيراً عن إحساسه العميق بلوعة الفقد قائلاً:
«اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس» اللهم آمين آمين.
من جهته نشر سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية، كلمة عبّر فيها عن أصدق مشاعر الحزن لرحيل فقيد البلاد الكبير الذي رثاه قائلاً:
«فقدت الإمارات ودبي اليوم الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم الذي كان عضيداً لحكّام دبي، ومساهماً في تأسيس القوات المسلحة في دولة الإمارات، أحبّه أهل دبي وأحبّ أهلها، وظلّت سيرته العطرة حاضرة لدى كل من عرفه».
ثم ختم هذه الكلمة النبيلة بقوله: «غاب الشيخ أحمد عن أعيننا، ولكنّه باقٍ في قلوبنا ودعائنا، نسأل الله عز وجل أن يتغمّده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يلهمنا الصبر والسلوان، إنّا لله وإنّا إليه راجعون».
عزاؤنا في فقدك محبة الناس لك، وحسن خلقك الذي ترك أثراً كبيراً في كل من عرفك وتعامل معك ؛ فأصبحت ألسنتهم تلهج بالثناء عليك والدعاء لك بأن يتغمدك الله برحمته وأن يسكنك فسيح جناته مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
عزاؤنا في فقدك مشاريعك الخيرية التي أنشأتها ورعيتها فآتت أكلها وبقيت لك صدقة جارية في صحيفة حسناتك؛ فهنيئاً لك ذلك من ثناء حسن في الدنيا ومقام رفيع في الآخرة.
اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، فافسح له في قبره وارزقه النعيم، وجازه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفرانا.
رحم الله فقيد البلاد الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، وأصدق مشاعر العزاء لمقام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأنجاله سمو الشيوخ، وجميع آل مكتوم الكرام وشعب الإمارات الطيّب الأصيل.