وإنا لفراقك لمحزونون يا أحمد

استهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، عزاءه في أخيه قائلاً: «رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، رحمك الله يا أخي، حللت عند رب كريم عظيم، تغيب عن أعيننا ولا تغيب عن دعائنا وقلوبنا يا أحمد.

أسكنك الله فسيح جناته، وألهمنا وأحبابك الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون». هذه الكلمات كم هي مؤثرة فينا، وإنها قد صدرت من صدر سموه في عجالة وعفوية، إلا أنها تحمل في طياتها ما تحمل، وتخفي وراءها ما تخفي من تساؤلات مثل:

أتذكر يا أخي العزيز أحمد عندما كنا نعيش نحن الأربعة معاً في كنف والدنا الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراه، في بيت الجد الشيخ سعيد بن مكتوم في حيّ الشندغة التراثية القديمة المعتقة بروائح البحر المحببة إلى نفوس أهل الخليج؟

أتذكر يا أحمد حُجرنا في ذلك البيت العظيم الذي ما زال يطل بإشراقته الجميلة على خور دبي كل صباح ومساء. أتذكر يا أحمد عندما كنا نفرش لحافنا نحن الأربعة: مكتوم وحمدان وأنا محمد وأنت يا أحمد في الحُوي، والوالدة كانت تحصّننا كل ليلة بآية الكرسي والمعوّذتين؟

أتذكر أيام زعبيل كيف قضيناها معاً في ظل الوالد والوالدة، نراهما ونسمعهما كأكرم والدين غاليين على قلوبنا، رعيا طفولتنا، ووفّرا لنا كل وسائل الراحة والطمأنينة.

أتذكر الوالدة الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، وهي بنفسها تعدّ لنا إفطار الصباح، وتطعمنا من الخبزة التي خبزتها هي بيديها الكريمتين؟ وتودّعنا عند الباب ونحن سائرون إلى المدرسة؟

لا يمكن أن ننسى تلك الأيام الجميلة، ولا تلك اليد الحنونة التي كانت تمتد إلينا لتحضننا صباح مساء من غير منّ.

أتذكر لما كنا نحن والأخوات نفرح ونمرح في بيتنا، وكم كابد الوالد، رحمه الله، مشاق توفير المياه الحلوة والأراضي الزراعية، وغرس النخيل في مزارعنا.

إننا عشقنا معاً يا أحمد حب البحر وحب البر والصيد والفروسية والرياضة، وأحببنا العمل من أجل تطوير دبي التي أصبحت اليوم عاصمة الجمال في العالم ومركز التجارة والاقتصاد والريادة. وقبل كل شيء أحببنا هذه الأرض الطيبة التي أنجبتنا، فارتوينا من مائها، وانتشقنا من هوائها، واستعذبنا الإقامة فيها، وجنينا من طيب ثمارها.

تعلّمنا بفضل الله ثم بفضل الوالدين، وتخرجنا وعملنا جنوداً مخلصين لهذا الوطن المعطاء، وتدربنا على الدفاع عن كرامتنا، وحرسنا ثغور بلادنا من شرّ الأعداء.

مَنّ الله علينا بكرمه وأفاض علينا بالخير براً وبحراً، فساهمنا في الخير ما استطعنا، ومنذ أن رفعنا علم دولة الاتحاد التي أقامها والدنا الشيخ زايد بن سلطان، ووالدنا الشيخ راشد بن سعيد، ومعهما إخوانهما حكام الإمارات، ونحن لا نبخل بدقيقة من وقتنا على هذا الشعب الكريم الذي تحملنا مسؤولية توفير الأمن والأمان لهم.

أتذكر يا أحمد تلك الأيام الجميلة التي كنا نتطلع إلى أن تكون لنا دولة مستقلة، وعلم واحد، ويكون لنا حضور في العالم؟ كانت أبوظبي وكانت دبي وكانت الإمارات الخمس، فوحّدنا الحبّ على قلب رجل واحد هو زايد بن سلطان.

غادرنا زايد، وغادرنا راشد، وغادر مَن غادر من إخوانهما من حكام الإمارات، وغادرنا مكتوم وحمدان، ثم أفجعتني برحيلك.

ماذا عسى أن أقول اليوم غير: إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا لفراقك لمحزونون يا أحمد. هذه ولعمري هي حال الدنيا التي إذا حلَت أوحلَت، وإذا جلَت أوجَلت، وإذا كسَت أوكسَت، وإذا أينعَت نعَت.

يا أحمد إن الناس يذكرون طِيبتك وطيب أصلك، وكرم أخلاقك وتواضعك الجَمّ، عشت مُسالماً لم تؤذ أحداً، ولم تجرح أحداً بكلمة، كنت نصير الشباب والرياضة، خدمت بلادك، واليوم غادرتنا والناس راضون عنك، فنسأل الله تعالى أن تلقى ربك وهو عنك راض.