إبراهيم محمد شهداد.. علم من أعلام التأريخ المعاصر في الخليج

يُعد الدكتور إبراهيم شهداد المكنى بـ «أبومحمد» من أبرز المؤرخين والأكاديميين القطريين، إن لم يكن ضمن أوائلهم، يشهد على ذلك أبحاثه ودراساته ومؤلفاته العديدة في مجال تاريخ الخليج المعاصر، والتي من أبرزها:

«سياسة بريطانيا التنموية في الخليج»، «الخليج والعدوان الثلاثي على مصر»، «جاسم (آل ثاني) يتطلع لبناء إمارة قوية»، «موقف بريطانيا تجاه الجامعة العربية بالخليج»، و«مسألة خلافة الحكم في قطر 1950 ــ 1960».

دعك من أطروحته لنيل درجة الماجستير التي حصل عليها من جامعة عين شمس المصرية تحت إشراف المؤرخ المصري الكبير صلاح العقاد، والتي تطرقت إلى موضوع مهم هو «تطور العلاقات بين حكومات الخليج العربية وشركات النفط الأجنبية»، ثم أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، والتي أصدرها في كتاب عام 1989 المتعلقة بالشأن العماني.

أبصر «إبراهيم محمد إبراهيم شهداد» النور في سنة 1953 بمدينة الدوحة، وتحديداً في فريج الدوحة الجديدة الذي كان معظم سكانه من القادمين من فرجان سوق واقف وما حولها.

وقتها كانت قطر تمر بفترة انتقالية ما بين عصر اقتصاد اللؤلؤ واقتصاد النفط، فنشأ، ككل أقرانه، في بيئة اجتماعية بسيطة، خالية من تعقيدات الحياة ووسائل الترفيه، باستثناء اللعب في الحواري أو التردد على المقاهي الشعبية.

لكن من حسن حظه أنه مع وصوله إلى سن دخول المدرسة كانت المدارس النظامية قد بدأت تنتشر، وسط تشجيع الأهالي لأبنائهم بالالتحاق بها، خصوصاً وأنها كانت تقدم رواتب شهرية رمزية للطلبة (45 روبية)، علاوة على كسوتي الشتاء والصيف، ووجبتي إفطار وغداء صحيتين.

التحق صاحبنا آنذاك بمدرسة صلاح الدين الأيوبي الابتدائية القديمة تحت إدارة مديرها القطري فضيلة الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، وتلقى تعليمه الأولي على يد مدرسين من الجنسية الفلسطينية، قبل الانتقال إلى مدرسة صلاح الدين الجديدة القريبة من مدرسة الصناعة.

حيث تلقى دروسه على يد مدرسين فلسطينيين وبعض المعلمين القطريين من أمثال راشد حسن الدرهم وعبدالله السيد وإبراهيم المحمود ومحمد بن علي المحمود، طبقاً لصحيفة الشرق القطرية (9/3/2023).

وبينما كان زملاؤه في هذه المدرسة منشغلين برياضة كرة القدم وغيرها من الرياضات والهوايات البدنية، كان هو من ضمن القلة التي مارست الرياضة دون أن تستهويه، رغم محاولة شقيقه الأكبر المتوفى عبدالله شهداد، لاعب كرة القدم بنادي العروبة، التأثير عليه.

كانت الهواية البديلة التي انشغل بها ورافقته طوال حياته هي القراءة التي ساهمت في منحه وعياً مبكراً بما يجري حوله وفي المحيطين المحلي والعربي من أحداث وتغيرات وتطورات. يتذكر شهداد أنه كان يقضي أوقات الفسح المدرسية في المكتبة منكباً على القراءة.

ويتردد، خارج المدرسة، على المكتبات التجارية القليلة لشراء أو استعارة الكتب والمجلات والقصص، بل وكان يشارك في المسابقات الثقافية ويفوز بجوائزها.

هذا الشغف المبكر بالقراءة والاطلاع والتثقيف الذاتي، دفعه للانشغال بما كان يُبث من الإذاعات العربية من برامج ثقافية وسياسية.

فيتذكر إنه وهو في العاشرة من عمره بدأ يستمع إلى إذاعة «صوت العرب» المصرية، التي كانت الصوت الطاغي في زمنه، والتي تعرّف من خلالها على مصطلحات وشعارات سياسية غريبة عليه، طبقاً لحواره مع مقدم برنامج «وجوه من الخليج» سنة 2025.

وككل مجايليه، في تلك الفترة العاصفة من التاريخ العربي المعاصر، تأثر بما كان يسمعه، وهو ما ولّد لديه الحماس لاحقاً لحضور مناسبات وطنية أقيمت على استاد الدوحة، تأييداً للقضية الفلسطينية، أو مسرحيات وتمثيليات مدرسية تأييداً للثورة الجزائرية، علاوة على «مهرجان العهد» الذي أقيم سنة 1972 بمناسبة تولي الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم.

وفي هذا السياق يخبرنا شهداد بأن الإذاعة المدرسية خلال فترة الستينيات من القرن العشرين لعبت دوراً كبيراً في نشر الوعي حول بعض القضايا العربية، من خلال ما كانت تذيعه من أناشيد في طابور الصباح مثل: نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي»، ونشيد «أخي جاوز الظالمون المدى»، وغيرها.

في مرحلته الإعدادية، التحق بمدرسة قطر الإعدادية القديمة (بجانب مستشفى الولادة) التي وصفها في حديثه لصحيفة الشرق (مصدر سابق) بالمدرسة الجميلة ذات التصميم المعماري الفريد والملاعب الرياضية الفسيحة، وحيث ترك صاحبنا أجمل الذكريات، وحيث تعرّف على أطياف مختلفة من مواطنيه، وتكونت شخصيته الحقيقية.

بعد أن أنهى مرحلة الدراسة الإعدادية التحق بدار المعلمين (في بيت الجبر بحزم المرقاب) زمن مديرها محمد بن عبدالله الأنصاري، لإكمال تعليمه الثانوي، وذلك لعشقه للتدريس ورغبته في أن يكون مدرساً، خصوصاً وأن المدرس كانت له في تلك الأيام هيبة ومكانة اجتماعية مرموقة.

وفي دار المعلمين تلقى تعليمه وفقاً للمنهج المصري، وعلى يد مدرسين جلهم الأعظم من مصر، حيث كانت الدراسة قوية وقاسية (بحسب وصفه) وتتضمن الأسلوب النظري، ثم الأسلوب العملي الذي قاده للتدرب على طرق التدريس بمدرستي طارق بن زياد وعثمان بن عفان.

وفي هذه المرحلة من حياته راودته فكرة التخصص في العلوم السياسية خلال المرحلة الجامعية، غير أن تفوقه وحصوله على المركز الأول ضمن المتخرجين من دار المعلمين، كان سبباً في وقوع الاختيار عليه لإكمال تعليمه الجامعي بكلية التربية في جامعة قطر، زمن رئيسها الدكتور محمد إبراهيم كاظم الذي عرف باختياره أفضل أساتذة الجامعات المصرية والعربية للتدريس في كليات جامعة قطر.

وهكذا، لم يمارس صاحبنا مهنة التدريس، لكنه قضى أربع سنوات من عمره كطالب جامعي يدرس بقسم التاريخ في كلية التربية.

وقد وصف تلك السنوات الأربع بالجميلة والممتعة التي أكسبته مهارات علمية وعملية وخبرات في إعداد البحوث والدراسات، قائلاً:

«كنا نحب الدراسة ونقضي كل يومنا في الجامعة ومتابعة دراستنا وأبحاثنا، وفي إجازة منتصف العام كانت الجامعة ترتب لنا زيارات إلى الدول الأوروبية والآسيوية والعربية للتعرف والاستفادة المعرفية والترفيه عن الطلبة».

تخرج من كليته في عام 1977 حاصلاً على المركز الأول على دفعته بقسم التاريخ، وحاملاً درجة بكالوريوس التربية، الأمر الذي جعل الجامعة تختاره معيداً بها. ويتذكر أنه إبان عمله معيداً بكلية التربية كانت هناك محاولات لتكوين نقابة طلابية.

لكن إدارة الكلية تصدت لها وطرحت فكرة بديلة هي تكوين جمعية للطلاب، وبالفعل جرت انتخابات لتشكيل مجلس لإدارة تلك الجمعية، حيث تم اختياره بالتزكية ليكون سكرتيراً للجمعية تحت رئاسة غانم بن علي المهندي.

إن تعيينه معيداً بكلية التربية سمح له بأن يوفد لاحقاً في بعثة دراسية إلى جامعة كمبردج البريطانية العريقة لإكمال تعليمه العالي والحصول على درجة الماجستير. كان إيفاده إلى بريطانيا تحديداً، بناءً على طلبه، لأنه أراد أن يستفيد من وجوده هناك للإطلاع على الوثائق والمعلومات التاريخية المتوفرة في الأرشيف البريطاني الثري الخاص بمنطقة الخليج.

يقول شهداد في هذا السياق: «كان يهمني في رسالة الماجستير أن أحصل على بعض الوثائق التي تهم أبحاثي، وبدأت بهمة ونشاط دراسة اللغة الإنجليزية، لكني لم أتمكن من مواصلة دراستي في كمبردج بسبب الظروف الخاصة التي صادفتني، فعدت للدوحة، ثم غيرت وجهة دراستي إلى القاهرة واخترت جامعة عين شمس».

وهكذا ذهب صاحبنا إلى مصر والتحق بجامعة عين شمس في عام 1984م لنيل درجة الماجستير عن أطروحة بعنوان «تطور العلاقات بين شركات النفط ودول الخليج المنتجة للنفط» منذ العقود الأولى للقرن العشرين وحتى حرب أكتوبر 1973م.

ولهذا الغرض قام بجولات في السعودية والكويت والبحرين والإمارات وعمان، بحثاً عن معلومات ووثائق ومراجع تدعم وتوثق أطروحته تحت إشراف أستاذه الدكتور صلاح العقاد. علاوة على ذلك، اجتهد كثيراً من أجل الوصول إلى وثائق ذات صلة من بريطانيا.

وبعد نيله درجة الماجستير بنجاح، قرر أن يواصل دراسته في الجامعة نفسها لنيل درجة الدكتوراه، بسبب ثقته في أستاذه العقاد وارتياحه لأسلوبه، فنالها مع مرتبة الشرف الأولى عن أطروحته التي تناولت النظام السياسي في سلطنة عمان من 1913 ــ 1975، وذلك في عام 1988.

وهو العام الذي تم فيه تكريمه في «يوم العلم» ضمن مجموعة المكرمين القطريين من الحاصلين على الدكتوراه، وكان من بينهم الدكتور عيسى بن غانم الكواري وزير الإعلام الأسبق الذي حصل وقتذاك على درجة دكتوراه الفلسفة في الإدارة العامة والاقتصاد من جامعة إكستر البريطانية.

بعد عودته إلى الدوحة تم تعيينه مدرساً في جامعة قطر، حيث استمتع بأجواء الجامعة وتدريس طلبتها ومتابعتهم في تحصيلهم العلمي، واصفاً طلبة تلك المرحلة بالجادين والمقبلين على العلم بشغف وعشق، على العكس من جيل اليوم الذي لا يبالي بالدراسة والبحث بسبب الرفاهية والأجهزة الذكية، بحسب كلامه.

وفي هذه الفترة من عمله الأكاديمي، تم إرساله إلى الجامعة الأمريكية في بيروت من أجل قضاء سنة علمية في رحاب هذه الجامعة العريقة، فاستفاد كثيراً.

كما أنه تولى قيادة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية في جامعة قطر، ورئاسة قسم العلوم الإنسانية بكلية الآداب والعلوم في الجامعة، وكان عضواً أو رئيساً لعدد من لجان الجامعة.

في عام 2008، حصل على جائزة الدولة التشجيعية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية مناصفة مع زميله المؤرخ الدكتور مصطفى عقيل محمود، فسعد كثيراً بها لأنها أنصفته وقدرت جهده الأكاديمي والبحثي.

وقد تحدث شهداد عن هذه الجائزة فقال إنه لم يكن متحمساً للتقدم لها، لكن زميله الدكتور محمد حسن العمادي شجعه على ذلك وألح عليه، فوافق وتقدم للجائزة مُرفقاً بخطاب التقدم بعضاً من الأبحاث التي حققها بعد مرحلة الدكتوراه، وبعد مرور سنة تقريباً جاءه نبأ الفوز.

وأخيراً، فإن الكثيرين ممن عرفوا الدكتور شهداد أو عملوا معه أو تتلمذوا على يده، أجمعوا على أنه يتصف بالدقة في أبحاثه، والإخلاص في عمله، والمرونة في تدريسه، والأخلاق الرفيعة في تعاملاته، والكرم في عطاياه، بل أعرب العديد ممن سألتهم عنه عن استحقاقه لألف تكريم وتكريم تقديراً لإنسانيته ودأبه قبل جهوده الأكاديمية والبحثية.