رسالة إلى شباب دبي.. حديث عن سنوات البطاقة

في واحدةٍ من أعمق الرسائل التي تسترجع صدى السنين الخوالي، وتثير في النفس أعمق مشاعر التأثر والحزن، ومن خلال ذاكرة متوهّجة بالتفاصيل المؤلمة، وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، رسالة من كتابه «الرسائل» إلى شباب دبي وشاباتها، وجاءت بعنوان «رسالة إلى شباب دبيّ: سنوات البطاقة»، وأبدع في رسم لوحة مكتظة بالتفاصيل التي تحكي أوجاع الناس وسنوات الجوع والمَسغبة التي عصفت بإمارة دبي في القرن الماضي، وكأنّه يريد أن يقول للأجيال التي لا تعرف هذه التفاصيل: إنّ دبي الزاهرة التي تشاهدونها الآن بأبراجها الشاهقة، وعمائرها المُنيفة، ومرافقها البديعة لم توجد بطريق الصدفة بل هي ثمرة مخاضٍ عسير دفع ثمنه الآباء والأجداد، وتحمّلوا في سبيل مدينتهم ما ذكر منه صاحب السمو بعض التفاصيل التي توجع القلب، وتجعل الإنسان ينظر إلى الماضي البعيد بعين البصيرة والاعتبار.

كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قد ذكر شيئاً يسيراً من هذه الظروف الّتي عصفت بدبي في سيرته الأولى «قصّتي: 50 قصّة في خمسين عاماً» حين خصّص القصّة الثامنة للحديث عن مسيرة دبي في البحث عن ذاتها الحضارية، حيث أشار إلى الكارثة الكبرى الّتي حلّت بدبيّ في ثلاثينيات القرن الماضي حين انهارت تجارة اللؤلؤ ثمّ ما أعقب ذلك من الظروف العصيبة بسبب الحرب العالمية الثانية، وكيف أنّ ذلك كان له الأثر العميق على أحوال أهل دبي الّذين عاشوا ظروفاً قاسية، لكنّه ختم تلك القصة ببثّ روح الأمل حين قال: «واصلتْ دبيّ رحلة كفاحها ورحلة البحث عن مستقبلها، وواصلنا التركيز على ما نُجيدُ فعله أكثر من أيّ شيء آخر» وها هو اليوم يستعيد في رسالته إلى شباب دبيّ تلك المرحلة التاريخيّة القاسية ولكن بشيء من التفاصيل الّتي تؤكِّدُ عمق إحساسه بأوجاع أهله ومواطنيه، ومهما حاول الإنسان أن يقرأ هذه الرسالة قراءة موضوعيّة محايدة إلا أنّ طاقتها العاطفيّة تأخذ الإنسان بعيداً نحو تلك اللحظات الغائرة في أعماق الروح حيث تتجلّى المعاناة التي أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في رسم تفاصيلها بريشة الفنان المستغرق في رسم لوحته بكلّ تركيزٍ وتعاطفٍ وانتباه.

لا أدري من أين أبدأ في عرض محتوى هذه الرسالة الطويلة الجليلة الّتي جاءت متلاحمة الكلمات والأفكار بحيث يستحيل الاقتصار على جزءٍ منها لعرض محتواها، فهي منبثقةٌ من قلب قائدٍ يستذكرُ الماضي بكلّ تفاصيله المتشابكة ويخاطبُ بها شباب اليوم، ويفتتحها بقوله: «هذه رسالة إلى أحبّتي وأحبابي وأبنائي شباب وشابّات دبيّ، أحكي لهم فيها سنوات البطاقة، هي سنواتٌ مرّت على أهاليكم وآبائكم وأجدادكم انتشر فيها الفقر والجوع والمرض، وفقدت فيها الكثير من العائلات مصدر رزقها، سنواتٌ أكل فيها الناس الشعير المخلوط بالخبز، وكانوا يسمّونه «الشمبريش» وعاشت الكثير من العائلات على التمر والماء لأشْهُرٍ كاملة، سنواتٌ أكل فيها الناس الجراد أثناء مواسمه من شدّة الجوع والعِوز، وهم في بيوت من سعف النخيل مع حرٍّ شديد، وقلّةٍ في الماء وشُحٍّ في الطعام» وغير خافٍ ما في كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من ملامح الحزن والتأثّر على أؤلئك الأسلاف الّذين تحمّلوا ما تنوءُ بحمله الجبال، وكيف أنّ الجوع قد هدم قُواهم حتى أكلوا غير المأكول في ظروفٍ لا يكادُ يتخيَّلُها العقل لكنّهم تحمّلوا ذلك بصبر الرجال لا سيّما وقد تفاقمت الكارثة بحلول الكثير من الأمراض الّتي لا دواء لها في ذلك الزمان حتى مُحيت عائلاتٌ كاملة تحت ضربات المرض بسبب ضعف العلاج وقلّة الطبابة وسوء الغذاء بحيث كانت تلك السنوات بحسب عبارة صاحب السموّ هي «سنوات الجوع» والتي أخذت اسماً ثانياً هو «سنواتُ البطاقة» لأنّ الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله وبتوجيه من والده المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم قد وضع خطة لاستيعاب الظروف الصعبة من خلال توزيع البطاقات على الأُسَر لتحصيل مستحقّاتها البسيطة من الأغذية الّتي تسُدُّ رمقهم وتحفظُ عليهم حياتهم لا سيمّا الضعفاء الّذين لا حول لهم ولا قوّة.

بعد وصف هذه الحالة المُحزنة التي وصلت إليها دبيّ وأهلها، يذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الأسباب الجوهرية الّتي كانت وراء حصول هذه الظروف الاستثنائية مما ذكرناه في مقدّمة هذه المقالة لكنّه أفاض في وصف الحالة التي كانت تأخذ بخناق دبيّ في الحرب العالميّة الثانية على وجه الخصوص حين تعطّلت حركة السفن والتجارة مع وجود رقابةٍ بريطانية شديدة على المواد الغذائية المسموح بإدخالها تحت ذريعة إعطاء الأولويّة للمجهود الحربي الّذي استعرّ بين الأوروبيّين على مصالحهم ودفعت ثمنه الشعوب الأخرى الّتي لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب الضروس.

ويحرصُ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على وصف مشاعر والده وتقييمه للوضع حيث كانت الرحمة والشفقة هي العاطفة الكبرى الّتي توجه خطّته لاستنقاذ البلاد والتخفيف عن العباد، لكن وراء هذه الشفقة الأصيلة كانت هناك رؤية أخرى هي اقتناص العبرة من هذه الحالة التي عاش فيها أهل دبي الجوع الحقيقي، فرأى أنّ المعضلة الأساسية هي في الاعتماد على مصدرٍ وحيدٍ للدَّخْل، ومن هنا بدأ سياسته في تنويع مصادر الدَّخْل حتى لو أدّى ذلك إلى مغامراتٍ قد تخفى نتائجها في البدايات لكنّها كانت محفوفة بالنجاح في النهايات، وأقسم أن لا تعود دبي إلى هذه الحالة الّتي تذيبُ القلب والروح.

الرسالة طويلة ولا نستطيع تغطيتها في هذه المقالة المقتصدة لكنّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يُلفتُ نظر الأجيال إلى حقيقة تاريخ مدينتهم حين خاطبهم قائلاً: «أبنائي وأحبابي: دبيّ لم تولد من الرفاهية بل من الألم والجوع والمعاناة، دبيّ ذاقت المرض وعاشت الخوف» لكنّها كانت محروسة بالرجال والنساء الّذين رفضوا أن تبقى دبيّ أسيرة الألم والقسوة، واليوم فإنّ شباب دبيّ هم الجيل الّذي ورث تلك الجينات الّتي رفضت التخلّي عن دبيّ في محنتها التاريخية الّتي تجاوزتها وجعلت منها دانة الدنيا ولؤلؤة الخليج.