الناس لا تقرأ

الناس لا تقرأ، عبارة أو مقولة تبدو لنا أنها محسومة بل ربما تعتبر أنها حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى دليل وبرهان، لنتحقق من صحة هذا المقولة فلنعتبرها «فرضية» تستحق الدراسة والبحث، لنتأكد من صحتها وصدقها أو تثبت لنا الدراسات الشاملة خطأها.

كلما سمعت هذه المقولة تتبادر إلى ذهني تساؤلات عدة، أرى أنها لا تستحق الطرح والمناقشة، ومنها: هل فعلاً تراجعت القراءة، أم أن أنماطها ووسائطها تغيرت، بل هل تغيرت سلوكيات القراء؟ لو كانت القراءة تراجعت وفقدت حضورها فكيف لنا أن نفسر استمرار تنظيم معارض الكتب سنوياً بل هناك معارض تطلق لأول مرة سنوياً،

بل ماذا تعني لنا الإصدارات الجديدة المستمرة طوال العام، وما دلالة ظهور دور النشر الجديدة وإطلاق منصات معرفية واتساع سوق الكتب الإلكترونية والكتب المسموعة أو الصوتية كما يسميها البعض، وماذا عن استمرار النقاشات والفعاليات الثقافية حول كتاب معين.

المشكلة قد لا تكون تراجع أو غياب القراءة، بل ربما قراءاتنا قد تغيرت ولم تعد كما كانت قبل عقود من الزمن، فالبيئة المعرفية والثقافية تغيرت ولم تعد كما كانت، في السابق كان التحدي الأكبر هو الحصول على كتاب أو قلة ونقص المعلومات، فقد كان البحث يستنزف الوقت، ويتطلب جهداً وصبراً إن لم نقل إنك تحتاج للذهاب إلى رحلة معرفية للوصول إلى مكتبة متخصصة.

أما واقع اليوم فانتقلنا فيه من مشكلة الندرة إلى مشكلة الوفرة، وعلينا أن ننتبه أن الوفرة لا تجعل البحث عن المعلومة أسهل بالضرورة، فعندما تصبح المعلومات متوفرة ومتاحة في كل مكان ننتقل من سؤال: أين أجد المعلومات؟ إلى تساؤلات أهم وأصعب منها: أين أجد المعلومات الصحيحة الموثوقة؟ أي المصادر اختار لأنها موثوقة وذات مصداقية؟ وما الذي يستحق أن أصرف وقتي من أجله ويستحق انتباهي له؟

عالم القراءة مرّ ويمر بتحولات كبرى أثرت على اختياراتها واهتماماته، فالقارئ اليوم لا يتحرك في عالم الكتاب الورقي فقط، فهو في اليوم نفسه يقرأ مقالاً رقمياً، ويستمع إلى كتاب صوتي أو مسموع، ويتابع تحليلاً مرئياً، ويقرأ كتاباً ورقياً، ويبحث في قواعد البيانات، ويصله مقترحات وتوصيات خوارزميات أو أشخاص، أي أن القراءة ما هي إلا جزء من منظومة معرفية متنوعة، ومتعددة الصيغ.

كما أن هناك سؤالاً أعتبره تقليدياً منذ ظهور ثورة تكنولوجيا المعلومات هو: هل انتهى زمن الكتاب الورقي؟ وهل سيختفي؟ بالنسبة لي السؤال لا يستحق ذلك الاهتمام، المهم هو: هل الإنسان قادر على البقاء والاستمرار على القراءة بعمق وتركيز؟ هذا المهم، وهذه هي القضية.

منذ سنوات حدثني أحد الأكاديميين عن اقتصاد الانتباه، والذي كان غريباً عليّ تلك الفترة، أما اليوم فأعتقد أن الإنسان المعاصر يعيش داخل اقتصاد الانتباه، فكل المنصات والتطبيقات والمقاطع الصوتية والمصورة هدفها جزء ولو بسيط من انتباهك وتركيزك.

ومقابل هذا تحتاج القراءة العميقة إلى الهدوء والوقت والصبر، والأهم القدرة على البقاء بتركيز مع فكرة واحدة، ولفترة طويلة نسبياً، لهذا لا أرى ولا أعتقد أن أزمة القراءة هي أزمة في عدد الكتب ولا حتى الصفحات المقروءة، بل ربما الأزمة في القدرة على القراءة بعمق وتركيز واستمرار من دون تشتت.

وحتى لا تكون نظرتنا سوداوية، فالقراءة لا تعد فعلاً فردياً معزولاً كما يعتقد الكثير، فهناك نوادي القراءة والحوارات الفكرية والصالونات الثقافية والمبادرات العلمية والثقافية، كلها أسهمت بوضع الكتاب في إطاره الاجتماعي، قد نقرأ كتاباً في عزلة عن العالم، وبعيداً عن الآخرين، لكن أثره يبقى ويظهر حين نجتمع مع القراء والمهتمين حول نص واحد، هنا يظهر اختلاف فهمنا وتنوع تجاربنا وتأويلاتنا، فالشخص القارئ يتوقف أمام الفكرة، يختبرها ويبحث عن مصدرها، يشك فيها ويقارنها بغيرها، وقبل أن يتبناها أو يرفضها يمنحها الوقت الكافي حتى يتحقق من صدقها وفائدتها وأثرها.

وإن كان لي من نصيحة فهي: «علينا التدرب للمحافظة على التركيز، والاهتمام بالقراءة المتأنية، والحرص على الفهم العميق، فجوهر القراءة هو العلاقة بينها وبين المعرفة والوعي والقدرة على فهم العالم».