المرونة الإماراتية ودرع الشراكات

عندما تتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي لا تتجه الأنظار فقط إلى حجم الخسائر المباشرة التي قد تفرضها الأزمات على الاقتصادات، بل إلى قدرة أي اقتصاد على امتصاص الصدمة ومواصلة النمو، دون أن تتحول تلك الصدمة إلى أزمة ممتدة، فالأزمات لا تختبر قوة الاقتصاد في لحظة وقوعها فحسب، وإنما تكشف جودة ما بني قبلها من بدائل وهوامش أمان وقدرات على التكيف.

وقد تواجه دول عدة الظرف نفسه، لكن نتائج الصدمة لا تكون متطابقة، لأن الفارق لا يكمن دائماً في حجم التعرض للمخاطر، بل في قدرة كل اقتصاد على توزيع المخاطر واحتواء آثارها وإعادة التوازن بعد وقوع الصدمة.

ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة الإماراتية جديرة بقراءة مختلفة، فالدولة لم تتعامل مع المرونة الاقتصادية باعتبارها استجابة طارئة للأزمات، وإنما عملت على بنائها كجزء من تصميمها الاقتصادي طويل المدى، عبر توسيع قاعدة التجارة، وتنويع مصادر النمو، وتعميق الشراكات الدولية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات.

السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع صدمة واحدة أن تعطل قدرة الاقتصاد الإماراتي على الاستمرار؟ وهنا تحديداً تظهر قيمة مفهوم هندسة المرونة، فالمرونة الاقتصادية لا تعني غياب المخاطر، وإنما تعني ألا يكون الاقتصاد رهينة لخطر، أو سوق، أو قطاع، أو مصدر واحد للنمو، وكلما تعددت البدائل واتسعت شبكة المصالح وتنوعت روافد الاقتصاد، تراجعت قدرة الصدمة على التحول إلى أزمة شاملة.

وفي قلب هذه الهندسة تأتي الشراكات الاقتصادية، فالاتفاقيات التجارية لم تعد مجرد أدوات لخفض الرسوم الجمركية أو زيادة حجم التبادل التجاري، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية أوسع لتوزيع الاعتماد الاقتصادي، وفتح خيارات جديدة أمام التجارة والاستثمار، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف عندما تتغير الظروف.

ولا تتوقف قيمة هذه الشراكات عند فتح الأسواق، بل تمتد إلى توسيع دوائر الاستثمار والتوريد والإنتاج، بما يمنح الاقتصاد خيارات متعددة لإعادة توزيع موارده والاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق العالمية.

كل شراكة جديدة لا تضيف سوقاً إلى الاقتصاد فحسب، وإنما تضيف خياراً آخر إلى منظومة المرونة، فالشراكات لا تلغي المخاطر، لكنها توزعها بين بدائل متعددة.

وتكشف الأرقام عن حجم هذا التحول، فقد تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات 1.9 تريليون درهم خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلة مستوى قياسياً جديداً، كما بلغ حجم التجارة غير النفطية مع الدول التي دخلت معها اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة حيز التنفيذ نحو 304.3 مليارات درهم خلال الفترة نفسها، فيما توسعت شبكة الاتفاقيات لتصل إلى 38 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع أسواق متعددة.

وتقدم الهند مثالاً واضحاً على اتساع هذه الشراكات، فقد تجاوز حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات والهند 107.5 مليارات درهم خلال النصف الأول من عام 2026، لتأتي الهند ثالث أكبر شريك تجاري للإمارات في هذا المجال، بعد الصين وسويسرا، بما يعكس اتساع المصالح الاقتصادية وقوة الروابط التجارية بين البلدين،

غير أن قيمة هذه الأرقام لا تكمن في حجم التجارة أو عدد الاتفاقيات وحدهما، وإنما في تعدد الخيارات وتوزيع الاعتماد، فالمرونة الحقيقية لا تعني كثرة الأسواق فحسب، بل اتساع روافد النمو بما يقلل حساسية الاقتصاد تجاه قطاع أو مصدر أو سوق واحد.

وتُعد الصادرات غير النفطية مؤشراً مهماً على هذا التحول، إذ بلغت 452.8 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعكس اتساع قاعدة الاقتصاد وقدرته على توليد قيمة قابلة للتصدير، ويوفر له روافد إضافية للنمو عندما تتغير الظروف.

ومن المهم ألا ننظر إلى المرونة باعتبارها قدرة على عزل الاقتصاد عن الأزمات، فذلك غير ممكن في اقتصاد منفتح ومندمج في الأسواق العالمية.. المرونة الحقيقية هي القدرة على الحد من انتقال الصدمة، وسرعة التكيف معها، وإعادة توجيه الموارد والتدفقات دون فقدان المسار الاستراتيجي.

ومن هنا فإن درع الشراكات لا يعني حصانة مطلقة من المخاطر، بل يعني امتلاك شبكة أوسع من الخيارات عندما تفرض الظروف اختباراً جديداً، فكلما اتسعت الخيارات تراجعت قدرة الصدمة الواحدة على تعطيل مسار الاقتصاد.

وهنا يتضح أن قوة الاقتصاد المرن لا تكمن في أنه لا يتعرض للصدمات، وإنما في أنه لا يضع مستقبله في رهان واحد.

هذا هو جوهر «هندسة المرونة» الإماراتية؛ بناء اقتصاد يستطيع أن يتكيف دون أن يفقد اتجاهه، وأن يمتص الصدمات دون أن يسمح لها بإعادة كتابة مساره، فالمرونة الاقتصادية ليست أن تبقى بمنأى عن العاصفة، وإنما أن تبني اقتصاداً يستطيع مواصلة الحركة حتى عندما تتغير اتجاهات الرياح.