لا تعتبر الإمارات المركز المالي والتجاري الأهم في المنطقة والعالم فقط، بل تمثل أيضاً مركزاً ثقافياً ومعرفياً، يشار إليه بالبنان في المنطقة والعالم، ويتجسد ذلك في الكم الكبير من الفعاليات الثقافية والفكرية التي تشهدها الدولة على مدار العام، ومن هذه الفعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي انطلقت فعالياته تحت شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ للعالم»، والذي بات يمثل أحد أهم معارض الكتاب في العالم متجاوزاً كونه مناسبة ثقافية سنوية، ليجسد رؤية إماراتية راسخة تعتبر القراءة والمعرفة أدوات لبناء الإنسان، وصناعة المستقبل.
ويكتسب انعقاد المعرض واستمراره رغم الظروف والتحديات الإقليمية دلالة خاصة، فالثقافة في الإمارات ليست نشاطاً هامشياً يمكن تأجيله عند الأزمات، وإنما جزء من مشروع الدولة وهويتها ودورها في العالم.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بتداعيات الصراعات والأزمات تفتح أبوظبي أبوابها للكتاب والمفكرين والناشرين والقراء، لتؤكد أن الحوار والمعرفة قادران على صناعة مساحات للتواصل والتفاهم، وأن الاستثمار في العقل لا يتوقف أمام الأزمات.
ولا يقف هذا الحراك عند أبوظبي، بل تتكامل معه منظومة ثقافية إماراتية واسعة، يأتي في مقدمتها معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي سينعقد في نوفمبر المقبل، إلى جانب المبادرات الوطنية والمحلية التي تشجع القراءة، مثل شهر القراءة، وعام القراءة، ومسابقة تحدي القراءة العربي، بالإضافة لجهود دعم المكتبات، والنشر والترجمة والتأليف، والبرامج الموجهة إلى الأطفال والشباب، وهكذا تتحول القراءة من ممارسة فردية إلى مشروع مجتمعي متكامل، ومن استهلاك للمعرفة إلى مشاركة في إنتاجها وصناعتها.
وليس مصادفة أن تتزامن هذه الثقافة المعرفية مع حضور الإمارات المتقدم في مؤشرات التنافسية والابتكار، ففي مؤشر الابتكار العالمي 2024 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية جاءت الإمارات في المرتبة 32 عالمياً، محتفظة بموقعها ضمن الاقتصادات الأكثر ابتكاراً في العالم، كما جاءت الدولة في المرتبة العاشرة عالمياً في الكتاب السنوي للتنافسية الرقمية العالمية 2024 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، وهو تقدم يعكس قدرة الدولة على توظيف المعرفة والتكنولوجيا في بناء اقتصاد ومجتمع أكثر استعداداً للمستقبل.
وهذه النتائج ليست منفصلة عن الاهتمام بالقراءة والتعليم والثقافة؛ فالابتكار يبدأ بفكرة، والفكرة تحتاج إلى إنسان قارئ، واسع الأفق، قادر على البحث والنقد والربط بين المعارف وتحويلها إلى حلول جديدة، لذلك فإن بناء مجتمع المعرفة يمثل أحد الأسس التي تستند إليها استراتيجية الإمارات في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنسان والابتكار والتكنولوجيا.
والأهم أن الإمارات لا تقرأ الحاضر فقط، بل تقرأ المستقبل أيضاً، فمن مئوية الإمارات 2071 إلى الاستراتيجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والابتكار والاقتصاد الرقمي تقوم الرؤية الإماراتية على إعداد أجيال لا تكتفي باستهلاك المعرفة، وإنما تمتلك القدرة على إنتاجها وتوظيفها والمنافسة بها عالمياً.
من هنا، فإن معارض الكتب في الإمارات ليست مجرد رفوف مليئة بالعناوين، بل منصات لصناعة الأفكار، وجسور للتواصل مع العالم، ومساحات لإعداد أجيال جديدة أكثر وعياً وانفتاحاً وقدرة على صناعة المستقبل.
الإمارات تقرأ لنفسها، لأنها تؤمن بأن المعرفة أساس تقدمها، وتقرأ للعالم لأنها تريد أن تكون شريكاً في إنتاج المعرفة وصناعة مستقبل أكثر إبداعاً وتسامحاً واستقراراً.
