فلسفة الملل..!

كتب الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في القرن السابع عشر، ضمن شذراته الفلسفية التي جُمعت لاحقاً في كتاب «خواطر»، ملاحظة ما زالت صادمة حتى اليوم، هي أن معظم بؤس الإنسان ينبع من عجزه عن الجلوس بهدوء في غرفة وحده ومواجهة أفكاره، فمفهوم الملل عند باسكال هو نافذة تكشف مدى هشاشة علاقة الإنسان بذاته حين يخلو من كل مشتت خارجي، وتبدلت أدوات الهروب من الملل عبر القرون، لكن الدافع خلفها بقي واحداً، متمثلة في رغبة مُلِحة في تجنب اللحظة التي نقف فيها وجهاً لوجه مع أفكارنا دون أي حاجز يحمينا منها..!

وما كان مجرد ملاحظة فلسفية عند باسكال، أثبتته لاحقاً تجربة علمية أجراها الباحث تيموثي ويلسون وفريقه من جامعة فيرجينيا ونشرت نتائجها عام 2014، حيث طُلب من المشاركين أن يجلس كل منهم منعزلاً في غرف منفصلة، بمدة تراوحت بين ست وخمس عشرة دقيقة، بلا هاتف ولا كتاب، فقط مع أفكارهم، ووُضع أمامهم زر يمكنهم الضغط عليه لصدم أنفسهم بتيار كهربائي خفيف خلال فترة التفكير، واختار 67 بالمئة من الرجال و25 بالمئة من النساء الضغط عليه فعلاً، رغم معرفتهم المسبقة بألم الصدمة ورغبتهم بتجنبها، وهذا بالضبط ما كان يقصده باسكال منذ قرون، أن الإنسان مستعد لدفع أي ثمن كي لا يواجه فراغه الداخلي.

وجاء لاحقاً الفلاسفة الوجوديون، وعلى رأسهم مارتن هايدغر وسورين كيركغارد، ليُعمقوا هذا التحليل أكثر، فعند هايدغر، الملل ليس مجرد شعور عابر، بل لحظة تتوقف فيها كل الأشياء من حولنا عن جذب انتباهنا كما اعتدنا، فتفقد وظائفها المعتادة ومعناها بالنسبة لنا، ونجد أنفسنا فجأة أمام سؤال أعمق، وهو لماذا نوجد أصلاً، وماذا يعني أن نكون موجودين؟ وهذا السؤال، بحسب هايدغر، احتمال قائم في كل إنسان لا في شخص بعينه دون غيره، ينتظر فقط اللحظة التي يتوقف فيها انشغالنا اليومي المعتاد عن حجبه، أما كيركغارد فربط الملل بمفهوم القلق الوجودي، ورآه علامة على الحرية ذاتها، فحين يخلو الإنسان من كل التزام خارجي يحدد له ماذا يفعل بوقته، يقف فجأة أمام حرية مطلقة تُحمله وحده مسؤولية اختياراته كلها، وهذا ما يجعل الملل عند كيركغارد حالة مزدوجة، عبئاً يثقل الكاهل من جهة، وامتيازاً لا يملكه إلا كائن حر من جهة أخرى، فهو يتحول من عدو يستحق المقاومة إلى لحظة يدرك فيها الإنسان - ولو للحظة - أنه هو من يقرر كيف يعيش وماذا يفعل بوقته.. لا أحد سواه.

والمفارقة أن الإنسان المعاصر يملك من أدوات الهروب أكثر بكثير مما امتلكه أي جيل سابق، ومع ذلك يبدو أكثر عرضة للقلق الوجودي من أي وقت مضى، وكأن وفرة الوسائل نفسها صارت جزءاً من المشكلة لا حلاً لها، فكل مرة نلجأ فيها إلى الشاشات هرباً من لحظة صمت، نؤجل مواجهة أكبر تنتظرنا في مكان ما، ومع تراكم هذه التأجيلات يوماً بعد يوم، نفقد تدريجياً قدرتنا على الجلوس مع أفكارنا الخام، تلك التي لم تُصقل بعد بمؤثر خارجي، فنصبح غرباء عن ذواتنا دون أن نشعر بهذه الغربة أصلاً، لأننا لا نمنح أنفسنا الوقت الكافي لنشعر بأي شيء عميق.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين من يتعامل مع الملل كعدو يُهزم بالانشغال المستمر، ومن يراه دعوة فلسفية حقيقية للتأمل، فالمفكرون الذين أنتجوا أعمق أفكارهم عبر التاريخ كانوا قادرين على تحمل الفراغ طويلاً، بينما تلاشت أفكار كثيرين ممن هربوا منه عند أول فرصة، وفراغ العقل حين يُمنح وقتاً كافياً دون مقاطعة ينظم نفسه تلقائياً نحو أسئلة لم تكن لتظهر أبداً وسط انشغالنا الدائم.

وهذا بالضبط ما تعنيه فلسفة الملل، فالفراغ الذي نخافه ونهرب منه باستمرار يشبه مفتاحاً نادراً لباب لا نصل إليه في زحمة انشغالنا اليومي، فالإنسان الذي يعرف نفسه جيداً هو غالباً من منح نفسه فرصة ليجلس وحيداً ويستمع لأفكاره دون خوف، ويكرر هذه التجربة بين حين وآخر كعادة صحية يحرص عليها، أما من يهرب من هذه اللحظة طوال حياته، فقد يحقق إنجازات ويُكون علاقات كثيرة، ويظل رغم ذلك غريباً عن صوته الداخلي، وربما هذا هو الفارق الحقيقي، أن تعرف نفسك أكثر..!