ينقسم الناس عندما يتعلق الأمر بتناول الحقيقة. هناك من يعتقد بأنه يملك الحقيقة كلها، وهناك من يسعى حثيثاً لمعرفة الصواب، وكذلك المؤسسات، فمنها من كان يُطلِق صحيفة أو وسيلة إعلامية ليخفي الحقائق عن الجمهور، ومنها من يعتبرها منبراً لكشف زيف الآخرين.
وقد قالها صراحة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل: «الحقيقة غالية جداً، لهذا يجب أن نحميها بسياج من الأكاذيب»!
في عصرنا تغيرت الموازين، وتحديداً في منطقتنا، فصارت كثير من المؤسسات لا تخشى كشف الحقائق. في الحرب الإيرانية الأمريكية الدائرة صرنا نسمع أرقاماً دقيقة لا تخشى المؤسسات إعلانها، وقبل ذلك، صار مشهد خروج الناطق الرسمي في مؤسسات عديدة في الوطن العربي أمراً طبيعياً، ويمكن أن نثق به، كما رأينا في جائحة «كورونا» وغيرها من أزمات ومحطات مهمة.
ولذلك لفتتني مقولة عميقة قالها الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية معالي جاسم البديوي في افتتاح قمة الإعلام العربي في دبي، حينما ذكر أن الحقيقة مهمة ولابد أن نحترمها، مضيفاً أن «سلاح الإعلام يتصدر خطوط المواجهة الأولى في معركة تشكيل الإدراك العام وحماية العقول وبناء مناعة مجتمعية قادرة على التمييز بين الحقيقة والزيف».
الواقع والعقلانية يقولان إنه ليس هناك من سبيل للرد على الأكاذيب والزيف سوى التصدي لها بعصا الحقيقة، فحينما يطمئن الجمهور إلى أن مؤسساته وحتى شركاته التي يحتك بها تصارحه بحقيقة ما جرى، سوف يكف فضول الإنسان عن التنقيب وراء ما حدث، ولن ينساق وراء كل عابر في فضاء الإعلام الرقمي.
تعلمت في استشاراتي الإعلامية أن أميل نحو مدرسة سحب البساط من تحت كل تشويش وادعاء يطلقه البعض، بمواجهته بخطاب مليء بالحقائق والشفافية.
رأينا على سبيل المثال كيف ضاعت ثروات العديد من العرب في أسواق المال قبل أن تتعزز الرقابة المؤسسية عبر هيئات أسواق المال مع ارتفاع موجة الحوكمة في إقليمنا العربي، وصرنا نقرأ يومياً حقيقة ما جرى في الشركات عبر إعلانات البورصة، بيد أن حماية الحقيقة لا تعني إعلانها فحسب، بل إعلانها في الوقت المناسب، فالحقيقة عندما تتأخر تترك وراءها فراغاً، والفراغ في الأزمات لا يبقى خالياً، بل تملؤه الشائعات والتفسيرات وشيء من نظريات المؤامرة، وكل ساعة تصمت فيها المؤسسة تمنح للآخرين فرصة لإطلاق العنان لرواياتهم فتترسخ في أذهان الناس فيصبح تفنيدها أصعب من منعها.
أرى أن الشفافية لا تعني أن تعرف المؤسسة كل شيء بل هي امتلاك شجاعة القول، مثلاً: «هذه المعلومات المتوافرة حتى الآن، وسنوافيكم بالمستجدات» وهكذا. ذلك أن هذا الاعتراف المؤقت بعدم اكتمال الصورة هو أكثر مهنية من التسرع في تقديم إجابات، ثم الاضطرار إلى التراجع عنها.
نحن في الواقع نتطور تدريجياً في منطقة الخليج، وربما من دون أن نشعر. وهذا ما حدا بالأمين العام، إلى القول إن الإعلام الخليجي «برهن على مهنيته ومسؤوليته العالية في نقل الحقيقة والتصدي للشائعات، والاحترافية في التواصل المباشر والسريع مع الجمهور وتعزيز ثقتهم بكفاءة مؤسساتهم». وهذا ليس كلاماً دبلوماسياً منه ولكننا شاهدناه جميعاً فقد أصبح التواصل المباشر جزءاً أساسياً من إدارة الأزمات.
لقد انتهى الزمن الذي تستطيع فيه المؤسسة أن تحمي نفسها بحجب الحقيقة. فاليوم لا نحمي الحقيقة إلا بأن نسبق الآخرين إليها، بل نقولها بلغة واضحة في الوقت المناسب، فالحقيقة لا تحتاج إلى سياج من الأكاذيب بل إلى إعلام يمتلك شجاعة الوصول إليها وحمايتها، والإعلام الحقيقي، كما قال البديوي، هو الذي «يرتقي بالوعي ويحترم الحقيقة».
