حين اختار معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين، المنعقدة حالياً، شعار: لنقلب الصفحة ونقرأ العالم، لم يكن يضع أمام زواره عبارة جميلة تصلح لواجهة معرض ثقافي فقط، وإنما كان يفتح باباً واسعاً لمعنى القراءة نفسها..
فالصفحة التي نقلبها ليست بالضرورة صفحة من كتاب.. قد تكون صفحة من حياتنا، أو من ذاكرتنا، أو من علاقتنا بالعالم الذي يتغير من حولنا كل يوم.
القراءة، في معناها الأعمق، ليست أن نعرف ماذا كتب الآخرون فقط، وإنما أن نعيد اكتشاف ما نعرفه، وأن نرى الأشياء من زوايا جديدة..
ولذلك فإن القارئ الحقيقي لا ينتهي من الكتاب حين يصل إلى صفحته الأخيرة، ولكنه يبدأ رحلة أخرى مع السؤال والتأمل والبحث..
من هنا تكتسب معارض الكتب أهميتها، لأنها تجمع في مكان واحد ما قد لا يجتمع في الحياة اليومية، الكتاب والقارئ، الكاتب والناقد، التراث والمستقبل، الفكرة والتجربة، والمحلي والعالمي.
معرض أبوظبي الدولي للكتاب لم يعد مجرد مساحة لعرض آلاف العناوين، وإنما أصبح جزءاً من المشهد الثقافي الذي تتشكل فيه علاقة الإنسان الإماراتي والعربي بالكتاب والمعرفة..
ولعل شعار هذه الدورة يختصر شيئاً من هذه الرحلة.. فنحن حين نقلب الصفحة، لا نترك ما قبلها بالضرورة، وإنما نحمله معنا إلى الصفحة الجديدة.. هكذا هي المعرفة، لا تلغي الماضي، وإنما تعيد قراءته، وتمنحه معنى جديداً كلما تغيرت أسئلتنا.
من بين الصفحات التي يفتحها المعرض هذا العام، تأتي صفحة الخليل بن أحمد الفراهيدي، ذلك العقل العربي الذي بحث في أعماق اللغة عن نظامها وإيقاعها وأسرارها.
ولم يقرأها باعتبارها كلمات متجاورة.. وضع علم العَروض، وأسس لمعجم العين الفريد من نوعه، وترك نموذجاً للعالم الذي لا يكتفي بالنظر إلى الظاهرة، وإنما يحاول أن يفهم القانون الذي يقف وراءها.
وفي صفحة أخرى، يقف دون كيخوته للكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس، تلك الشخصية التي عبرت القرون لأنها لم تكن حكاية رجل يعيش وهماً، وإنما صورة للإنسان.
وهو يحاول أن يجد مكانه بين ما يتخيله وما يراه.. ولذلك تبقى الكتب العظيمة قادرة على السفر عبر الزمن، لأنها لا تتحدث عن عصرها وحده، وإنما عن الإنسان في كل عصر.
أما الصفحة الإماراتية فلها حضورها الخاص في هذا المشهد، من خلال مبادرة أعلام الإمارات التي اختارت الأديب محمد أحمد المر أول شخصية فيها.. وليس اختيار المر أمراً عابراً، فهو أديب وقاص ومثقف ارتبط اسمه بالكتاب والثقافة، كما ارتبطت تجربته بمدينة دبي وهي تعبر مراحلها المتعددة.
كتب محمد المر عن الإنسان قبل أن يكتب عن المدينة، وعن التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها حين تجتمع تصبح ذاكرة كاملة.. كتب عن البيوت والمجالس والأسواق والبحر، وعن الناس الذين كانوا يعيشون حياتهم اليومية ببساطتها، ثم وجدوا أنفسهم أمام مدينة تتغير بسرعة، وتفتح أبوابها على العالم.
ومن هنا فإن قراءة محمد المر ليست قراءة في أعمال أديب فقط، وإنما قراءة في مرحلة من مراحل التحول الإماراتي.. ففي قصصه شيء من رائحة المكان، وشيء من ذاكرة الناس، وشيء من تلك التفاصيل التي يخشى عليها الزمن من النسيان..
ولهذا فإن الاحتفاء بالمر في مبادرة أعلام الإمارات هو احتفاء بالكتابة بوصفها وسيلة لحفظ الذاكرة، وبالأدب بوصفه شاهداً على التحولات.
ولعل أجمل ما في أعلام الإمارات أنها لا تضع الشخصيات في إطار الاحتفاء وحده، وإنما تمنح الأجيال الجديدة فرصة لكي تقرأ الإمارات من خلال أبنائها.. فكل شخصية من هذه الشخصيات صفحة من كتاب الوطن، وكل تجربة فصل من فصوله، وكل إنجاز سطر في ذاكرته.
بعد 35 عاماً، أصبح معرض أبوظبي الدولي للكتاب نفسه جزءاً من هذه الذاكرة.. بدأ معرضاً للكتاب، ثم تحول إلى موعد ينتظره القارئ، ومنصة يلتقي فيها المثقف والمبدع والناشر، وجسراً يصل الإمارات بالعالم. وهكذا، حين نقلب الصفحة في أبوظبي، فإننا لا نغلق كتاباً ونفتح آخر فقط..
نحن ننتقل من معرفة إلى معرفة، ومن سؤال إلى سؤال، ومن ذاكرة إلى مستقبل.. لقد قلبنا الصفحة وقرأنا العالم، وحين قرأنا العالم اكتشفنا أن لنا فيه صفحة تستحق أن تُقرأ، وأن وراء هذه الصفحة حكاية وطن، وذاكرة مدينة، وأسماءً صنعت بالكلمة والفكرة والعمل فصولاً من كتاب الإمارات.