تمر العلاقات الصينية اليابانية اليوم بأسوأ حالاتها.. وهي لئن كانت دوماً تحت وطأة أحمال تاريخية قديمة ونزاعات حول الأراضي والمياه، إلا أنها عانت منذ نوفمبر 2025 من تداعيات تصريحات أطلقتها رئيسة الحكومة اليابانية، ساناي تاكائيتشي، في برلمان بلادها، بأن أي هجوم عسكري صيني على تايوان سيشكل وضعاً يهدد بقاء اليابان.
وبالتالي فلا بد من تدخل القوات اليابانية، وهو ما اعتبرته الحكومة الصينية موقفاً عدائياً وتصرفاً غير مقبول.
مذاك راحت بكين تمارس الضغوط وتطلق التهديدات وتفرض العقوبات على جارتها اليابانية لثنيها عن مواقفها بخصوص تايوان، وإجبارها على القبول بمبدأ الصين الواحدة.
من جانبها رفضت حكومة تاكائيتشي المواقف الصينية المتشنجة، وأقدمت على خطوات مضادة مثل: توسيع نطاق تدريباتها العسكرية مع أستراليا والهند وإندونيسيا والفلبين، وتنويع سلاسل التوريد.
والإعلان عن رفضها التراجع بشأن ملف تايوان، والعمل من أجل تغيير سياساتها الدفاعية السلمية.. وهكذا راحت العلاقات بين البلدين تزداد سوءاً وتوتراً.
ومن المناسب هنا أن نعيد التذكير بأن قضية تايوان تحظى بأهمية بالغة في السياسة الداخلية للصين، وليس فقط في سياستها الخارجية، وهي في الوقت نفسه قضية تهم اليابان لأن الأخيرة احتلتها لمدة 50 عاماً عقب هزيمة الصين في الحرب اليابانية الصينية بين عامي 1894 و1895، وتعاملت آنذاك مع التايوانيين على أنهم رعايا يابانيين وليسوا صينيين.
أما الجديد في الموضوع فهو أن وفداً من المشرعين اليابانيين، مكوناً من ممثلين عن الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم وحزب كوميتو.
وتحالف الإصلاح الوسطي المعارضين، زار مؤخراً الصين في مسعى تصالحي، والتقى هناك بنائب رئيس الدائرة الدولية في الحزب الشيوعي الصيني الحاكم «لوكانغ».. لكن بدلاً من أن يستجيب المسؤول الشيوعي الصيني لمساعي الوفد الزائر.
ويثمن المبادرة التصالحية اليابانية، راح يصعد، معلناً رفضه المصالحة ومؤكداً أن بلاده تعتزم الإبقاء على العقوبات التي فرضتها على اليابان إلى أن تلبي تاكائيتشي المطلب الصيني بسحب تصريحاتها العدائية بشأن تايوان.
والحقيقة أن بكين بهكذا موقف فوتت على نفسها فرصة التفاهم مع طوكيو، مثلما حدث في مناسبات سابقة حول قضايا خلافية ثنائية.. وهو ما اعتبره بعض المراقبين بمثابة نهج متشدد جديد في السياسة الخارجية الصينية، يبعدها عن النهج البراغماتي الذي اتصفت به في العقود الأخيرة.
بينما أعتبره من وجهة نظري نهجاً غير فعال لم يؤدِ إلا إلى نتائج عكسية، بمعنى أن حكومة تاكائيتشي لم ترهبها التهديدات الصينية، ولم تتراجع عن موقفها المعلن، بل وعملت بخطى حثيثة على تجاوزها عبر صياغة موقف دفاعي قوي مع الدول الحليفة.. ذلك أن جميع الخطوات التي اتخذتها بكين خلال الأشهر العشرة الماضية، ومنها وقف وإلغاء التبادلات الثقافية.
وفرض قيود على التبادلات السياحية، وتقليص الواردات الصينية من المأكولات البحرية اليابانية، وحظر توريد الصادرات ذات الاستخدام المزدوج إلى اليابان (بما في ذلك المعادن النادرة)، لم تؤثر في اليابان إلا بدرجة طفيفة جداً.
وبالمثل لم تعلن اليابان الذعر من الأنشطة العسكرية الصينية بالقرب من حدودها، بما في ذلك قيام الجيش الأحمر الصيني بتسيير دوريات لسفنه وطائراته داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة لليابان، وقيامه بتدريبات ومناورات بالذخيرة الحية في محيط جزيرة أوكينوتوري الواقعة في بحر الفلبين .
والتي تمثل أقصى نقطة في جنوب اليابان، دعك من إقدام الصين باستفزازات مثل إرسال سفن أبحاث للقيام بمسح تحت سطح الماء قبالة جزيرة أوكيناوا.
وحينما أيقنت بكين أن عقوباتها وتهديداتها لم تهز اليابان قيد أنملة، لجأت إلى إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا مثلما حدث في يونيو 2026، حينما حلقت قاذفات صينية وروسية معاً فوق بحر اليابان.
علماً بأن هذا الإجراء لم يثمر إلا عن تزايد قلق اليابان من روسيا باعتبارها تمثل تهديداً أمنياً محتملاً، وهو قلق شعر به اليابانيون منذ أن غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022.
ونختتم بالقول إنه ليس أمام بكين الآن سوى الانتظار حتى سقوط حكومة تاكائيتشي، أملاً في أن تخلفها حكومة أكثر تجاوباً مع المطالب الصينية، وهو أمل مشكوك فيه لأن تاكائيتشي تحظى بشعبية قوية، وحكومتها تستند إلى دعم برلماني قوي.