في دبي، لا تكبر الفعاليات بعدد المشاركين فيها فقط، بل بالفكرة التي تكبر معها. تبدأ أحياناً بمنتدى، ثم تتحول إلى منصة، ثم إلى منظومة، حتى يصبح وصفها بكلمة «مؤتمر» أقل من حقيقتها. وهذا، برأيي، ما حدث مع قمة الإعلام العربي.
فخلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر 2026، تستضيف دبي الدورة الخامسة والعشرين من القمة، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وبتوجيهات سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي رئيس مجلس دبي للإعلام.
لكن الاسم الذي أراه أقرب إلى ما أصبحت عليه اليوم هو: «قمة القمم للإعلام». فنحن لم نعد أمام فعالية واحدة، بل مظلة تجمع ثمانية منتديات متخصصة، وأكثر من 175 جلسة، وما يزيد على 400 متحدث من 23 دولة، ونحو 10 آلاف مشارك. لكن الأهم من الأرقام هو: من يجتمع، ولماذا يجتمع؟
تحت سقف واحد يلتقي وزراء ومسؤولون، ورؤساء مؤسسات إعلامية، وصنّاع محتوى، ومفكرون وأكاديميون، وخبراء تكنولوجيا وذكاء اصطناعي، وشباب سيصنعون إعلام الغد. بل إن منتدى «يورونيوز» يُعقد للمرة الأولى في تاريخه خارج أوروبا، مختاراً دبي وقمة الإعلام العربي مكاناً لذلك.
وهذه ليست مجرد إضافة إلى جدول الفعاليات؛ إنها رسالة عن المكانة التي وصلت إليها دبي على خريطة الإعلام العالمي.
بدأت الرحلة عام 2001 مع منتدى الإعلام العربي. وبعد نحو ربع قرن، نمت حول الفكرة منظومة من المنتديات والجوائز والمبادرات والمنصات، تمتد من الإعلام التقليدي إلى صناعة المحتوى والتواصل الاجتماعي والأفلام والألعاب والبودكاست والاتصال الحكومي.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص «نموذج دبي» المبادرة الناجحة لا تبقى كما بدأت؛ تكبر، وتتفرع، وتستوعب المتغيرات، وتنتقل من فعالية إلى منصة، ومن منصة إلى منظومة، ومن فكرة إلى ممارسة راسخة.
ولا يمكن الحديث عن هذه الرحلة دون التوقف عند الدور الذي قادته معالي منى غانم المرّي وفريقها في بناء مساحة عربية مستمرة للحوار حول مستقبل الإعلام، والانتقال به من مجرد مواكبة التحولات إلى المشاركة في صناعتها، وهنا يكمن السؤال الحقيقي.
في الماضي، كانت مشكلة الإنسان الوصول إلى المعلومة. اليوم، المعلومة تلاحقه في هاتفه وساعته وسيارته. لذلك أصبح السؤال: بمن يثق؟ وماذا يصدق؟ ومن يساعده على فهم العالم؟ ومع الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: كيف سيستخدم الإعلام التكنولوجيا؟
السؤال الأصعب هو: ما الذي سيبقى من الإعلام عندما يصبح الجميع قادراً على إنتاج الإعلام؟ ستبقى الثقة، والمصداقية، والهوية، والقيم، والقدرة على صناعة المعنى. فالآلة تستطيع إنتاج المحتوى، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه «الثقة». وهنا الفرق بين مدينة تستضيف المؤتمرات، ومدينة تستخدمها لصناعة موقعها في المستقبل.
ودبي اختارت الطريق الثاني. لذلك، لا ينبغي أن نسأل فقط: كم شخصاً حضر؟ بل: كم فكرة ستولد؟ وكم شراكة ستبدأ؟ وكم إعلامياً شاباً ستتغير نظرته إلى مهنته؟ لهذا أسميها «قمة القمم للإعلام»؛ لأنها تجمع تحت سقف واحد الإعلام الذي نعرفه، والإعلام الذي يتغير أمام أعيننا، والإعلام الذي لم يولد بعد.
وفي مدينة تعوّدنا منها ألا تنتظر المستقبل حتى يصل إليها: مستقبل الإعلام لن يُكتب فقط في غرف الأخبار.. جزء منه سيُكتب هنا لأن «دبي الأفعال» تقول ما تفعل وتفعل ما تقول.
* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
