ألوان من حكاية الغياب.. حين تستعيد الذاكرة فناناً

هناك معارض تعيد الفنان إلى قاعة العرض، وهناك معارض تعيده إلى الذاكرة. والمعرض الاستعادي للفنان التشكيلي عبد اللطيف الصمودي، الذي تقيمه مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي، بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيله، ينتمي إلى النوع الثاني.

فهو لا يكتفي بعرض أعمال فنان غاب عن المشهد منذ سنوات، وإنما يتيح لنا أن نتوقف أمام تجربة كان لها موقعها في مرحلة مهمة من تاريخ الفن التشكيلي في الإمارات.

جاء الصمودي إلى الإمارات في مرحلة كانت فيها الحركة التشكيلية، والثقافية عموماً، لا تزال تبحث عن ملامحها وتبني مؤسساتها، فالثمانينيات كانت مرحلة تأسيس على صعيد الفن والأدب والمسرح والتشكيل، وكان حضور الصمودي جزءاً من ذلك الحراك.

ولذلك، فإن النظر إلى تجربته اليوم لا ينبغي أن يقتصر على السؤال: ماذا رسم الصمودي؟ بل يتجاوز ذلك إلى سؤال آخر: ماذا كان يمثل وجوده ووجود جيله في الحياة الفنية التي كانت تتشكل آنذاك؟.

في أعمال الصمودي نجد علاقة خاصة بين الحداثة والذاكرة. لم تكن اللوحة عنده مجرد مساحة للألوان والأشكال، وإنما مجالاً لاستحضار إشارات من البيئة والثقافة والذاكرة العربية.

وإعادة تركيبها في لغة تشكيلية حديثة. وهذا ما يمنح أعماله قيمة تتجاوز زمن إنتاجها، فهي لا تختار بين الماضي والحداثة، وإنما تبحث عن نقطة يمكن أن يلتقيا عندها.

ومن هنا يمكن فهم أهمية استعادة أعماله اليوم. فاللوحة التي عاشت في زمنها تصبح، بعد سنوات، أكثر من عمل فني، تصبح وثيقة على طريقة تفكير ذلك الزمن، وعلى الأسئلة التي كانت تشغل الفنانين، وعلى علاقتهم بمحيطهم وتراثهم والتحولات من حولهم.

ومن الأعمال اللافتة في المعرض لوحة «حماة 1982»، التي تعرض للمرة الأولى، وهي عمل يرتبط بذاكرة مدينة وتجربة عاشها الفنان. وجود مثل هذا العمل في معرض استعادي يضيف إلى التجربة بعداً آخر:

فالفن يستطيع أن يحتفظ بما قد تعجز الذاكرة اليومية عن الاحتفاظ به، وأن يحول التجربة الشخصية إلى ذاكرة بصرية مفتوحة على أجيال لم تعش تلك اللحظة.
لكن أهمية معرض الصمودي لا تتعلق بالصمودي وحده.

فنحن نحتاج إلى استعادة الفنانين الذين سبقونا، لأن الثقافة لا تبدأ مع كل جيل من جديد. ما نراه اليوم من حركة فنية ومؤسسات ومعارض وتجارب، هو نتيجة تراكم طويل شارك فيه أشخاص ربما لم يعد حضورهم في الذاكرة العامة بحجم الدور الذي أدوه في وقتهم.

وحين نعيد قراءة هؤلاء الفنانين، فإننا لا نفعل ذلك من باب الحنين فقط. نحن نحاول أن نفهم كيف تشكلت ذائقتنا الفنية، وكيف وصلت الحركة التشكيلية إلى ما هي عليه اليوم، وما الذي أخذته من تجارب السابقين، وما الذي تجاوزته.

وتزداد أهمية هذه القراءة حين نعود إلى شهادات فنانين ونقاد عرفوا تجربة الصمودي وكتبوا عنها. فقد رأى الفنان والناقد إسماعيل الرفاعي في أعماله مساحة واسعة للخيال والتأمل، حيث تتعدد الرموز والإشارات، ولا يفرض العمل على المشاهد معنى واحداً مغلقاً.

أما طلال معلا، الذي كتب عن تجربة الصمودي، فيربط جانباً من عالمه التشكيلي باهتمامه باللغات القديمة، وأنظمة التواصل والرموز الحضارية، وهي عناصر ساعدت في تشكيل بعض مفرداته البصرية.

بينما يلفت هشام المظلوم إلى جانب آخر في تجربة الصمودي، يتمثل في قدرته على الجمع بين المنمنمات والزخرفة والتجريد، وفي الدور الذي منحه للون في بناء اللوحة، وإكسابها أبعاداً تتجاوز الشكل المباشر.

هذه الشهادات لا تقدم لنا صورة واحدة عن الصمودي، بل تكشف جوانب مختلفة من تجربته: علاقته بالرمز، ومصادر مفرداته، وطريقته في بناء اللوحة.

وهذا بالضبط ما تحتاج إليه تجربة فنية بعد مرور عشرين عاماً على رحيل صاحبها: ألا تُختصر في تعريف سريع، وإنما تُعاد قراءتها من أكثر من زاوية.

ولعل هذا هو السبب الأهم لاستعادة الفنانين الذين أسهموا في بناء ذاكرتنا الفنية. نحن لا نستعيدهم لأننا نريد أن نملأ فراغاً في كتب التاريخ، ولا لأن الماضي يستحق الحنين فقط. نستعيدهم لأن الحاضر نفسه يصبح أكثر وضوحاً عندما نعرف جذوره.

الفنان الذي سبقنا لا يقدم لنا أعماله وحدها، يقدم لنا جزءاً من الزمن الذي عاش فيه، والأسئلة التي واجهها، والاختيارات التي اتخذها، والطريق الذي مهده لمن جاء بعده.

ومن هنا، فإن المعرض الاستعادي ينبغي ألا يكون نهاية القصة، بل بدايتها. فاستعادة الفنان الحقيقي تحتاج إلى توثيق أعماله، ودراسة تجربته، ونشرها، وإتاحتها للأجيال الجديدة، حتى لا تتحول الذاكرة الفنية إلى مجموعة من الأسماء التي نعرفها، دون أن نعرف ما الذي تركته لنا.

الصمودي واحد من تلك الأسماء التي تستحق أن تُعاد قراءتها.

وبعد عشرين عاماً على رحيله، يبدو أن «حكاية الغياب» لا تتحدث عن الغياب وحده. إنها تقول إن بعض الفنانين يستطيعون أن يعودوا من خلال أعمالهم، وأن الزمن، مهما ابتعد، لا يستطيع أن يلغي أثراً فنياً حقيقياً.

ربما تكون هذه هي قيمة المعرض في النهاية: أنه لا يعيدنا إلى الماضي لكي نبقى فيه، وإنما يساعدنا على رؤية الحاضر من خلال ما تركه أولئك الذين صنعوا جزءاً من الطريق.
فالذاكرة الفنية لا تعيش بما نتذكره فقط، بل بما نعيد اكتشافه.