الحاكم الذي أراد بيع الطماطم
كان هناك سوق كبير يحتاج إلى من يصنع له بيئة النجاح.
الطريق إليه يحتاج إلى تطوير، والقواعد تحتاج إلى وضوح، والتجارة تحتاج إلى منظومة تحمي العقود وتمنح الجميع الثقة.
جاء مسؤول جديد وقال:
«سأبني سوقًا يستطيع الجميع أن ينجح فيه.»
بنى الطرق.
وفّر الأمن.
وضع قواعد واضحة.
أنشأ منظومة سريعة وفعالة لحماية العقود وحسم النزاعات.
وسهّل تأسيس الأعمال.
ثم فعل شيئًا أكثر أهمية:
ترك للتجار أن يتاجروا.
لم يحاول أن يصبح أكبر تاجر في السوق.
ولم يعتبر نجاح أصحاب الأعمال تهديدًا لدوره.
بل اعتبر نجاحهم دليلًا على نجاحه.
ومع الوقت، ازدهر السوق، وتوافد إليه التجار من كل مكان.
السؤال الحقيقي
هذه ليست قصة سوق.
إنها واحدة من أهم قضايا الاقتصاد الحديث:
ما الدور الذي يجعل الدولة أكثر قوة، والسوق أكثر ازدهارًا في الوقت نفسه؟
التجارب الناجحة تقول إن السوق الحر لا يعني غياب الدولة.
بل على العكس.
السوق القوي يحتاج إلى دولة قوية، مؤسسات قوية، قانون واضح، بنية تحتية متقدمة، واستقرار يمكن للمستثمر أن يبني عليه قراراته لسنوات.
لكن قوة الدولة الاقتصادية لا تُقاس فقط بما تملكه.
بل بما تستطيع أن تمكّن الآخرين من بنائه.
الدولة القوية تصنع البيئة
دور الحكومة أساسي ولا غنى عنه:
القانون، الأمن، البنية التحتية، التعليم، الصحة، حماية المنافسة، سرعة الخدمات، واستقرار السياسات.
وهناك بالطبع قطاعات استراتيجية ومشروعات كبرى يكون للدولة فيها دور مباشر ومحوري.
لكن أحد أكثر نماذج التنمية قوة هو ذلك الذي تستطيع فيه الحكومة أن تجمع بين قوة المؤسسات وبين اتساع المساحة المتاحة للقطاع الخاص.
فالدولة تضع الأساس.
والقطاع الخاص يبتكر.
الدولة تبني البيئة.
ورأس المال يبحث عن الفرص.
الدولة تفتح الأبواب.
والشركات تتنافس على الدخول منها.
دبي… الدولة التي صنعت السوق
ولعل دبي تقدم واحدًا من أوضح الأمثلة على هذه الفكرة.
منذ عقود، لم يكن السؤال في دبي:
كيف تستطيع الحكومة أن تقوم بكل شيء؟
بل:
كيف نجعل دبي المكان الذي يستطيع فيه الآخرون أن يصنعوا كل شيء؟
بُنيت الموانئ والمطارات.
تطورت المناطق الحرة.
تسارعت الخدمات الحكومية.
أصبحت التشريعات أكثر مرونة وكفاءة.
وتم فتح أبواب الاقتصاد أمام المستثمرين والشركات والمواهب من مختلف أنحاء العالم.
وكانت النتيجة أن أصبحت دبي منصة يتنافس المستثمرون على أن يكونوا جزءًا منها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوتها الاقتصادية:
أن نجاح القطاع الخاص لم يكن يومًا أمرًا منفصلًا عن نجاح دبي، بل كان جزءًا من نموذجها نفسه.
فكل شركة عالمية تختار دبي مقرًا لها، وكل مستثمر يضخ رأس مال جديدًا، وكل رائد أعمال يؤسس مشروعًا جديدًا، يضيف إلى قوة المدينة واقتصادها ومكانتها.
عندما تصبح الحكومة مضاعفًا للقوة
أفضل علاقة بين الدولة والقطاع الخاص ليست علاقة انسحاب ولا سيطرة.
إنها علاقة تمكين.
الحكومة تصنع البيئة التي تقل فيها المخاطر، وتزيد فيها الفرص، وتصبح فيها المنافسة أكثر عدالة وشفافية.
ثم تترك المجال للعقول ورؤوس الأموال والشركات كي تبتكر وتنمو وتتوسع.
وهنا تتحول الدولة من مجرد منظم للسوق إلى مضاعف لقوته.
كل درهم يستثمره القطاع الخاص يصبح أكثر تأثيرًا عندما توجد حوله بنية تحتية قوية.
وكل شركة تصبح أكثر قدرة على التوسع عندما تجد قوانين واضحة وخدمات سريعة.
وكل موهبة عالمية تصبح أكثر استعدادًا للقدوم عندما ترى مدينة تؤمن بالفرصة والانفتاح والمنافسة.
أفضل صاحب للسوق
ربما تكون أفضل حكومة اقتصاديًا ليست التي تريد أن تكون أكبر تاجر في السوق.
بل التي تجعل سوقها هو المكان الذي يريد أفضل التجار والمستثمرين والشركات في العالم أن يكونوا فيه.
تبني الطريق.
تحمي العقد.
تطور الموانئ والمطارات.
تستثمر في الإنسان.
وتجعل تأسيس الأعمال والنمو والتوسع أكثر سهولة.
ثم تقول للجميع:
تعالوا… تنافسوا، ابتكروا، وانجحوا.
وهنا يصبح نجاح القطاع الخاص جزءًا من نجاح الدولة.
وربما لهذا استطاعت دبي أن تبني خلال عقود قليلة اقتصادًا يفوق كثيرًا حدود الجغرافيا وعدد السكان.
لأنها فهمت مبكرًا أن أعظم ما تستطيع الدولة أن تصنعه…
ليس شركة واحدة ناجحة.
بل سوقًا كاملًا يريد العالم أن يكون جزءًا منه.
