على امتداد نحو 45 عاماً من العمل الأكاديمي والبحثي والثقافي، مرت أمامي مئات التجارب المرتبطة بالمجتمع والتراث والهوية، منذ سنوات عملي في قسم الاجتماع بجامعة الإمارات، ثم في رواق عوشة بنت حسين الثقافي، وجمعية الدراسات الإنسانية.
وصولاً إلى عملي مع خبراء التراث الثقافي غير المادي في وزارة الثقافة. ومع كل هذه السنوات ظل سؤال قديم يعود إليّ بصيغ مختلفة: لماذا تبقى بعض عناصر التراث حية في الناس، بينما تخفت عناصر أخرى رغم ما نبذله في توثيقها وتعريف الأجيال بها؟
كنت أبحث عن الإجابة أحياناً في الأسرة، وأحياناً في الذاكرة الشعبية، وفي المجالس والرواة والحرفيات والشعر والممارسات الاجتماعية.
وخلال السنوات العشر الأخيرة أضفت إلى ذلك متابعة ما يحدث في العالم الرقمي، وما تنشره الدراسات حول التقنيات الحديثة والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي وطرق تقديم التراث للأجيال الجديدة. ومع تراكم هذه القراءات بجانب خبرتي الميدانية، بدأت تتضح أمامي فكرة تستحق التأمل: الإنسان ينقل ما يشعر به أكثر مما ينقل ما يعرفه.
تذكروا معي موقفاً بسيطاً.. قد نشرح لشاب تاريخ الغوص على اللؤلؤ، ونقدم له الأسماء والأدوات والمعلومات، فيخرج بمعرفة جيدة.
وقد يسمع الشاب نفسه صوت النهّام، ويرى الغواص يستعد للنزول، ويتخيل البحر والانتظار والعودة، ثم يسمع حكاية من رجل عاش شيئاً من تلك البيئة.. هنا دخل عنصر آخر إلى التجربة: الشعور.
وهذا ما كنت ألمسه طوال سنوات العمل في التراث، فالأطفال يتذكرون التجربة التي شاركوا فيها أكثر من المعلومة التي سمعوها، والإنسان قد ينسى تاريخاً قرأه ويبقى في ذاكرته صوت أو رائحة أو حركة ارتبطت بتجربة عاشها.
رائحة القهوة تستطيع استدعاء المجلس، وإيقاع العيالة يستحضر الجماعة، وملمس السدو يقود إلى يد الأم أو الجدة، وبيت من الشعر النبطي قد يعيد إلى الذاكرة مكاناً وأشخاصاً وزمناً كاملاً، لذلك يمكن القول إن العاطفة تؤدي وظيفة ثقافية.
ومن خلال قراءتي لما تراكم خلال العقد الأخير في دراسات التراث الرقمي، أجد أن البحث العلمي أصبح يقترب أكثر من هذه المساحة..
هناك اهتمام متزايد بالاستجابة العاطفية، والانغماس، والهوية الثقافية، ومشاركة حَمَلة التراث في صناعة التجربة الرقمية.. وأصبحت التقنيات الحديثة تتيح للباحث أن يسأل أسئلة أكثر دقة: ماذا شعر الإنسان أثناء التجربة؟ ماذا بقي معه بعدها؟ هل دفعه التأثر إلى البحث والسؤال والمشاركة؟ وهل تحولت اللحظة العاطفية إلى علاقة أطول بالتراث؟
وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى تطوير الطريقة التي نقيس بها نجاح نشر التراث الإماراتي رقمياً.. المشاهدة والزيارة وعدد المتابعين مؤشرات مفيدة، لكنها تخبرنا عن الوصول، أما التأثير الثقافي فيحتاج إلى متابعة ما يحدث داخل الإنسان وبعد انتهاء التجربة: هل تحدث عنها مع أسرته؟
هل سأل جده أو جدته؟ هل تعلم مفردة إماراتية جديدة؟ هل حاول ممارسة حرفة؟ هل زار مكاناً مرتبطاً بما شاهده؟ وهل شعر بأن هذا التراث أصبح أقرب إليه؟
ومن تجربتي أرى أن هناك سلسلة يمكن أن تساعدنا في فهم هذه العملية: تجربة تثير الشعور، وشعور يوقظ الفضول، وفضول يقود إلى المشاركة، ومشاركة تفتح طريقاً للانتقال بين الناس والأجيال. وفي قلب هذه السلسلة تأتي الهوية، لأنها تمنح الشعور سياقه ومعناه.
وأرى مجالاً بحثياً مهماً أمام جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية: أن ندرس «الأثر العاطفي للتراث» بصورة منهجية داخل المجتمع الإماراتي المتنوع.. كيف يستجيب الطفل الإماراتي لتجربة تراثية رقمية؟.. وكيف يستجيب المقيم الذي يتعرف إلى هذا التراث للمرة الأولى؟..
ما الفرق بين مشاهدة العيالة على شاشة والمشاركة فيها؟.. وأي الحواس أكثر قدرة على تثبيت الذاكرة الثقافية: الصوت، الصورة، الحركة، اللمس، وربما الرائحة مستقبلاً؟
وقد تقودنا الإجابات إلى تصميم جيل جديد من المتاحف والمنصات والمناهج والفعاليات التراثية.. عندها يصبح هدفنا أعمق من زيادة المحتوى، سنبحث عن التجربة التي تستطيع بناء علاقة مستمرة بين الإنسان والتراث.
وبعد هذه الرحلة الطويلة في البحث والعمل الثقافي، أعود دائماً إلى الإنسان، فقد تغيرت أدوات التوثيق، وانتقلنا من التسجيل والكتاب والصورة إلى المنصات الرقمية والواقع الممتد والذكاء الاصطناعي، لكن السؤال بقي قريباً من السؤال الذي بدأنا منه قبل عقود: كيف ينتقل التراث من جيل إلى جيل؟
أعتقد أن جزءاً مهماً من الإجابة يسكن في الذاكرة العاطفية.. فما يمس الإنسان يجد مكاناً داخله، وما يجد مكاناً داخله يصبح أكثر قابلية لأن يحمله معه، ويمنحه حياة جديدة حين يرويه أو يمارسه أو يعلمه لإنسان آخر.. وهكذا قد يكون الشعور واحداً من أقدم وسائل صون التراث، حتى ونحن نكتشف اليوم أحدث التقنيات لفهمه ونقله.