حكمت أسرة الصباح الكريمة، التي تعود جذورها إلى العتوب من قبيلة عنزة العربية، الكويت منذ عام 1752، حينما تقلد الشيخ صباح الأول بن جابر الصباح (1700 ــ 1762) الحكم بعد مبايعة شعبية، فكان هو أول من حكم من هذه الأسرة الكريمة.
وفي عهد نجله الشيخ مبارك بن صباح المعروف باسم الشيخ مبارك الكبير (1844 - 1915)، والذي يوصف في الأدبيات التاريخية بالمؤسس الحقيقي لإمارة الكويت، عقدت الكويت وبريطانيا العظمى تحالفاً حاسماً، حفظ للبلاد استقرارها مذاك وحتى استقلالها الناجز في عام 1961 في عهد الحاكم الحادي عشر الشيخ عبدالله السالم الصباح (1895 ــ 1965) الذي تولى قيادة الكويت من عام 1950 وحتى وفاته عام 1965.
أنجبت الأسرة للكويت كل حكامها الذين قادوا البلاد عبر محطات تاريخية وسياسية واقتصادية مهمة، وخاضوا المعارك التنموية من أجل رفعتها وازدهارها على مدى عقود من الزمن، كما خاضوا المعارك العسكرية والسياسية، في أحلك الفترات والظروف من أجل بقائها وديمومتها وسيادتها.
وكان الحاكم العاشر الشيخ أحمد الجابر الصباح (1885 ــ 1950) الذي تولى الحكم خلفاً لعمه الشيخ سالم المبارك الصباح في عام 1921 وحتى وفاته في يناير 1950 هو أطول حكام الكويت عهداً، وفي زمنه عقدت معاهدة العقير لسنة 1922 التي رسمت الحدود بين العراق والكويت والمملكة العربية السعودية.
وتأسس مجلس الشورى، ثم المجلس التشريعي الأول والثاني اللذين بدأت معهما الخطوات الأولى للحياة الديمقراطية، وتأسست الدوائر الحكومية التي صارت نواة للوزارات لاحقاً، وازدهرت حركة النقل الجوي وتحولت الكويت إلى محطة جوية إقليمية.
وبدأت عملية إرسال الطلبة إلى الخارج للتحصيل العلمي الجامعي، واكتُشف النفط في عام 1938 وتم البدء بتصديره في عام 1946، فتوسع وامتد العمران وتطورت الخدمات العامة والبنى التحتية وتحقق الازدهار والرخاء الذي واصله وعززه خلفاؤه من بعده.
وأنجب الشيخ أحمد الجابر الصباح العديد من الأبناء، من بينهم أربعة تولوا حكم الكويت وصنعوا مجدها، بدءاً بالشيخ جابر الأحمد الجابر، الذي تولى الحكم من 31 ديسمبر 1977 وحتى وفاته في 15 يناير عام 2006.
وشهد عهده تحرير البلاد من الغزو العراقي الآثم في عام 1990، وانتهاء بالأمير الحالي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الذي تولى القيادة بدءاً من 16 ديسمبر 2023 ويواصل اليوم عملية التنمية والبناء بخطى حثيثة.
ما سبق كان توطئة للحديث عن رجل من الأسرة الكريمة بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لرحيله. ففي الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري تحل الذكرى الثالثة لرحيل الشيخ مبارك عبدالله الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، الذي فقدته الكويت عن 93 عاماً في 25 سبتمبر 2023، من بعد حياة حافلة في خدمة وطنه وناسه، شغل خلالها مسؤوليات رسمية في حقبة ما قبل استقلال الكويت وما بعدها حتى منتصف ستينيات القرن العشرين.
حينما آثر أن يعتزل المناصب الرسمية والعمل السياسي تماماً، لزهده في الأضواء والحقائب الوزارية، لكنه ظل يحظى بمقام رفيع ومكانة سامية داخل بيت الحكم وعند أهل الحل والعقد، وبقي ينال احترام الناس وحبهم أينما حلّ بسبب نزاهته واستقامته وخبرته الطويلة.
ولد الشيخ مبارك عبدالله الأحمد الجابر الصباح، الذي يوصف بالمحنك الحكيم المحب لوطنه وشعبه، ويشار إليه كأحد أركان أسرة آل الصباح الحاكمة ومستشارها، في العاصمة الكويت سنة 1930.
والده هو الشيخ عبدالله الأحمد الجابر الصباح (1903 ــ 1957)، الابن الأكبر لحاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر من زوجته الأولى السيدة حصة بنت إبراهيم بن محمد الغانم.
وعليه فإن المترجم له هو أحد الأحفاد الأوائل للشيخ أحمد الجابر، وابن الأخ الأكبر سناً لأربعة من أمراء الكويت (جابر الأحمد وصباح الأحمد ونواف الأحمد ومشعل الأحمد).
يعد والده الشيخ عبدالله الأحمد واحداً من أهم رجالات الأمن الأوائل في الكويت ممن يتذكره الكويتيون إلى وقتنا الحاضر، لأنه أرسى دعائم الأمن في بلادهم في بدايات نشوء الكويت كدولة بسبب تطبيقه القانون بحزم وعدالة ودون هوادة أو تمييز.
إذ إنه تولى منذ عام 1938 مسؤولية شؤون الأسلحة في قصر نايف التاريخي الذي شيد على صهيد نايف سنة 1919 في عهد الشيخ سالم المبارك الصباح، وبسبب مسؤوليته عن السلاح ارتبط اسمه بالأمن العام.
خصوصاً بعد أن تولى رئاسة هذا الجهاز الحساس في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي قبل أن يُدمج الأمن مع الجيش، ويُعهد بقيادتهما إلى الشيخ عبدالله المبارك الصباح.
إضافة إلى منصب الأخير نائباً للحاكم الشيخ عبدالله السالم الصباح طوال عقد الخمسينيات وحتى استقالته في أبريل 1961 ومغادرته البلاد. هذا علماً بأنه بعد أن آلت مسؤوليات الأمن إلى الشيخ عبدالله المبارك الصباح تم تعيينه نائباً لرئيس دائرة الأمن العام، فواصل انخراطه في كل ما يتعلق بحفظ الأمن واستتباب النظام.
كما أن والد المترجم له، إضافة إلى عمله الأمني، كان ينوب عن الشيخ عبدالله الجابر الصباح في رئاسة دائرة معارف الكويت ودائرة الأوقاف العامة، حينما يكون الأخير غائباً عن البلاد.
ويقوم بمهامهما بجد ونشاط وإخلاص بما في ذلك حضور المناسبات الرسمية والتربوية والدينية ذات الصلة بالدائرتين.
وبالعودة إلى سيرة الشيخ مبارك العبدالله الأحمد، نجد أنه بدأ تعليمه في الكتاتيب التقليدية، حيث تلقى دروساً أولية في القراءة والكتابة والحساب والقرآن، ثم التحق بمدارس الكويت النظامية، وتحديداً المدرسة المباركية (افتتحت في 22 ديسمبر 1911 كأول مدرسة نظامية في تاريخ الكويت).
كما تعلم اللغة الإنجليزية في مدرسة الإرسالية الأمريكية المعروفة باسم مدرسة «كالفرلي» نسبة إلى مؤسسها في سنة 1911 القس الأمريكي «إدوين كالفرلي».
ودخل مجال العمل العام قبل أن يكمل الثلاثين ربيعاً. إذ خلف والده بعد وفاته سنة 1957 فصار نائباً لرئيس الأمن العام لفترة قصيرة.
ونظراً للكفاءة والجدية التي أبداها في بداية مساره العملي هذا، ناهيك عن استقامته وأخلاقه الرفيعة وقربه من الناس، حاز على ثقة سمو الحاكم الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي اختاره ليقود دائرة البرق والبريد والهاتف في 17 فبراير 1959، أي قبل استقلال البلاد بعامين، فكان اختياره نعم الاختيار.
إذ شمّر عن سواعده وقام بأعمال مشهودة في زمن كان فيه قطاع الاتصالات يشكو من الترهل والعجز عن مواكبة الطفرة التنموية التي كانت تعيشها الكويت آنذاك، الأمر الذي أثمر عن انتشار الخدمات الهاتفية ومكاتب البريد في كل أرجاء الكويت مع تطوير وتحسين عملها. وعليه اكتسب تسميته «رجل المرحلة».
وبعد حصول الكويت على استقلالها سنة 1961 بإلغاء الاتفاقية المبرمة سنة 1899 مع بريطانيا العظمى، وتحديداً حينما شكلت أول حكومة برئاسة أمير الكويت الأسبق الشيخ صباح السالم الصباح بموجب المرسوم الصادر في 17 يناير 1962، لم يجد رئيس مجلس الوزراء شخصاً أفضل من الشيخ مبارك ليعهد إليه بمسؤوليات حقيبة البرق والبريد والهاتف (وزارة المواصلات لاحقاً)، فدخل تاريخ بلاده كأول وزير لهذه الوزارة الخدمية المهمة.
وبعد انتخابات مجلس الأمة الأول عام 1963 تشكلت حكومة جديدة برئاسة الشيخ صباح السالم الصباح في 28 يناير 1963 فتم تعيينه وزيراً للإرشاد والأنباء (الإعلام حالياً)، بديلاً للشيخ صباح الأحمد الجابر الذي عهدت إليه حقيبة الخارجية، فأسهم في تأسيس الإعلام الكويتي ورفعته في تلك الفترة السياسية الحرجة من تاريخ الكويت.
ظل الشيخ مبارك العبدالله الأحمد ممسكاً بوزارة الإرشاد والأنباء حتى 29 ديسمبر من العام نفسه، حينما تركها بسبب استقالة الحكومة. بعد ذلك راحت حقيبة الإرشاد والأنباء للشيخ جابر العلي السالم الصباح.
بينما تم تكليف الشيخ مبارك بحقيبة وزارة الدولة لشؤون مجلس الوزراء، فشغلها لغاية 30 نوفمبر 1964، حينما قدم استقالته ليتفرغ لأعماله الخاصة.
وبذلك اعتزل الحياة السياسية بعد أن أدى خدمات جليلة لوطنه على مدى سنوات، منها مساهمته في سن التشريعات الهامة مثل قانون الانتخاب رقم 12 لسنة 1963 بحكم عضويته في المجلس التأسيسي الذي سن الدستور.
ومهد لقيام الحياة البرلمانية، ومنها أيضاً قيامه بتطوير وتحديث شبكة الاتصالات الهاتفية عبر الاستعانة بالشركات الأجنبية المتخصصة والخبراء الدوليين زمن قيادته لوزارة البرق والبريد والهاتف.
ففي عهده مثلاً، زاد انتشار الهواتف في الكويت زيادة كبيرة، وتمت التوسعة الكبيرة في مقسم شرق الأحمدي بإضافة 400 خط، وتأسس مقسم (B) بسعة أربعة آلاف خط، وتم تركيب المقاسم الأوتوماتيكية في العديد من المؤسسات كمستشفى الصباح وإدارات البلديات والمستوصفات الخارجية.
كما تمت إضافة أنظمة للبت السريع في طلبات النجدة والمساعدة في حالات الطوارئ، وإضافة عدد من الأنظمة الحديثة التي تمّ جلبها بغرض الاتصال بين فيلكا والكويت والجهراء.
قال عنه الباحث والمؤرخ والأديب الشاعر الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، الذي عمل تحت قيادته بوزارة الإرشاد والأنباء.
وكان مديراً للتلفزيون، في مقال نشره بصحيفة «الوطن» الكويتية (6/4/2011)، ما مفاده أنه وكل مرؤوسيه صدموا يوم أن سمعوا بخبر استقالته، وأسفوا على قراره لأنهم وجدوا فيه وزيراً حكيماً ورجلاً نبيلاً، مضيفاً: «لقد ترك هذا الرجل النبيل عمله في الحكومة.
ولكنه بقي في قلوب الناس وأذهانهم، وكلما طرأت الحاجة إلى شخص يحمل عبئاً من أعباء العمل الحكومي تذكروا الشيخ مبارك العبدالله الأحمد الجابر وقالوا: هذا يوم من أيامه، كما يقولون ذلك عن والده».
فيما يتعلق بحياته الأسرية، تزوج الشيخ مبارك العبدالله من الشيخة زكية عبدالله الجابر الصباح، ابنة الأب الروحي للمعارف الكويتية ومؤسسها، ورزق منها بثلاث بنات وستة أبناء (حصة وجابر وطلال ومشعل وعبدالله ونيران وفهد ونوف وخالد).
وشغل ابنه الشيخ طلال مبارك العبدالله الأحمد مناصب إدارية بارزة منها رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتخب لمؤسسة الخطوط الجوية الكويتية سابقاً.
كما تولى ابنه الآخر مشعل مبارك العبدالله الأحمد منصب وكيل الديوان الأميري بالدرجة الممتازة اعتباراً من سبتمبر 2025.
وللراحل أحفاد يشغلون بعض المناصب الرسمية مثل الشيخ الدكتور عبدالله مشعل مبارك العبدالله الأحمد، الحاصل على درجة الدكتوراه في اقتصاديات الصحة من كلية لندن الجامعية وبكالوريوس الطب البشري والجراحة من جامعة الكويت.
والذي شغل منصب رئيس هيئة الخدمات الطبية بوزارة الدفاع الكويتية من 2019 وحتى عام 2022 حينما صدر مرسوم بتعيينه وكيلاً لوزارة الدفاع.

