مكتوم… المؤتمن على السيرة والمسيرة

هذه هي الرسالة الرابعة من كتاب «الرسائل» الذي ينشره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، على شكل حلقات متتابعة بين الحين والآخر، وهي موجهة إلى سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية، رجل المهمات الصعبة، والعقل الاقتصادي للدولة، وعضيد والده الذي كتب عنه اليوم بكل هذا الفخر والاعتزاز تأكيداً على الشخصية القوية التي يتمتع بها سمو الشيخ مكتوم، وتقديراً لجهوده الكبيرة التي يؤديها من خلال إيقاع هادئ وعزيمة قوية وبصيرة نافذة في التخطيط والتنفيذ، فهو الرجل الذي اختاره والده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لأهم ملفات الدولة وأكثرها تأثيراً على الوطن والمواطن، حين سلمه ملف الشؤون المالية بكل ما ينطوي عليه من الصعوبات والتحديات في ظروف إقليمية بالغة الصعوبة لكنه كان عند حسن ظن أبيه، فقام بمهامه على خير وجه، وهو ما نلمسه من خلال مشاعر الفخر والاعتزاز التي تتجلى ظاهرة في هذه الرسالة الفخمة التي يقف القارئ عاجزاً عند محاولة تحليل محتواها في عُجالةٍ قصيرة لا تسمح إلا برؤوس الأقلام من الأفكار والرؤى والمعطيات.

إن الصفات التي افتتح بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هي خير ما يدل على شخصية هذا الابن القوي الموقع في الدولة، المتصف بصفات نادرة جعلت منه شخصاً متميزاً كما نلمسه في كلام والده عنه، فهو السند والعضد والثقة، وهو المؤتمن على السيرة والمسيرة والإرث والمدينة، وهو الحافظ للمكتسبات، الداعم للمنجزات، الأمين على ثروات الأجيال، فهذه الصفات وحدها لا يطمع أي إنسان على حيازة غيرها لا سيما إذا كانت صادرة عن قائد عميق الخبرة، نافذِ البصيرة ثري التجربة مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي يحترم الكفاءة لكنه لا يجامل، لتكون هذه الكلمات هي الوسام الأرفع الذي يضعه سمو الشيخ مكتوم على صدره في مسيرته الرائدة في العمل العام والإسهام القوي الفاعل في دعم عجلة التنمية والنهوض بالوطن والإنسان.

وبقدر ما تلمس هذه الرسالة الجانب العملي في شخصية سمو الشيخ مكتوم بقدر ما تُضيء الجانب الإنساني في شخصيته، فهو شخصية قريبة جداً من قلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بسبب ما جُبل عليه من الطباع التي هي في جوهرها طباع القادة المتميزين، فهو بحسب كلمات والده رجل واسعُ الاطلاع، وهادئُ الطِّباع، وحسَنُ الاستماع لمحدثيه، قد ورث عن جده طيب الذكرى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أجمل المناقب والخصال، فهو رجل قليلُ الكلام، قويُّ الالتزام، كثيرُ الإنجاز، عميقُ البصيرة، نافذُ العزم لإكمال السيرة والمسيرة، وهذه هي صفات القادة المتمرسين الذين يثق بهم الوطن والقيادة، وتتجلى هذه الصفات في المنجزات التي تحمل بصمة هذا القائد القوي الهادئ الطِّباع الذي تدور عيناه في محاجر رأسه مثل عين الصقر، وهو شيء ملحوظ في شخصيات أنجال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذين يجمعون على نحوٍ فريد بين الوداعة والحزم والنظرة القوية العازمة.

لا أدري ماذا أكتب عن شخصية سمو الشيخ مكتوم كما رسمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بإحساس الأب القائد الذي يُقدِّمُ أولاده هدية لوطنه، ويُحمِّلُهم أشق المهام في وطنٍ نشيط يحتفي بالإبداع ويُشجع الموهبة ويمتلك إحساس التاجر الذي يبحث عن كل سلعةٍ نادرةٍ ونفيسة تجذب الأنظار، فهو يكره الجمود والخوف والانغلاق، وهو ما تجلى واضحاً في كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي أبدع في وصف نهضة المدن وأسباب نمائها وبقائها، والتي تكون قادرة على الجذب وتحريك الطاقات الإنسانية وليست هي المدن الثرية أو المسيطرة، ويضرب مثلاً رائعاً من بغداد وأثينا والبندقية في التاريخ القديم ونيويورك ولندن وسنغافورة في التاريخ المعاصر، فهذه المدن قد بلغت هذا التأثير بسبب قوتها على الجذب وخلق روح التنافس بين جميع الأصناف البشرية حيث كانت، وبحسب كلام صاحب السمو قادرة على أن تصنع شعوراً بالحركة والطاقة، حيث سهولة التحرك وسرعة القرارات وكثافة العلاقات وتدفق المعارف والمعلومات.

في هذا السياق من التحديات تبرز شخصية سمو الشيخ مكتوم واحداً من أعمدة الوطن الخفية التي لا يُرى من عملها إلا النتائج، فهو يحمل مسؤولياته بصمت، ويخدم شعبه بإخلاص، ويسند هذا البناء الضخم للوطن بمواصلة عمل الليل والنهار، ثم ضرب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نماذج عملية من إنجازات سمو الشيخ مكتوم حين خاطبه قائلاً: «تولّيتَ ميزانيات الاتحاد فأجدتَ، وتوليتَ مسؤوليات اقتصاد دبي فأبدعتَ، وترأست مجلس القضاء فيها فعَدَلْتَ».

وبإحساس الوالد الفخور بولده يخاطب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نجله وعضيده سمو الشيخ مكتوم قائلاً: «وفقك الله يا مكتوم، واعلم أن فخري بك وفرحي بعملك لا يُدانيه شيء، وجودك بجانبي يخفف ثِقَل الأمانة، ويُشعرُني بالطمأنينة والراحة، ويُعطيني قدراً عظيماً من التفاؤل بمستقبل دبي ومكانها ومكانتها».

لكن الدرس الأهم في هذه الرسالة هو ما ختم به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كلامه الثمين حين قال: «علمتني الحياة يا بني أن نجاح المدن ليس في موقعها ولا في ثرواتها ومواردها، بل في عقليتها، فالمدن التي تتبنى عقلية التاجر تُحِب الاستكشاف، وتتبنى الانفتاح، وتعشق تبادل البضائع والمعارف والمنافع وتثق بالمستقبل، أما المدن التي ترى في الآخر تهديداً لمصالحها، وتتحسس من الخطر في كل خطواتها، وتُسيطر عليها غريزة الخوف في جميع علاقاتها تكون قد حكمت على نفسها بالتراجع والانهيار».