في واقع تُشكل فيه التقنية الحديثة أداة فاعلة وفارقة في بناء قدرة المؤسسات على صناعة مستقبلها وترسيخ جاهزيتها وتنافسيتها، بات من الحتمي ربط سيناريوهات وتصورات المستقبل في مختلف القطاعات والمجالات بمدى القدرة على مواكبة هذا الواقع الذي تقود تغيراته العميقة أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، وتأخذ به إلى آفاق لا يعرف طموح العقل البشري فيها حدوداً، وإلى مساحات تتسع لابتكارات لا تتوقف.
ومع ارتباط القانون بشتى تفاصيل الحياة الإنسانية للمجتمعات، لم يعد تبني التقنيات الحديثة ودمج أدواتها في العمل القانوني اختياراً، وإنما ضرورة ضامنة للتكيف والمواكبة والقدرة على استيعاب المؤسسات القانونية للمتغيرات، والاستجابة السريعة لأدوات وممكنات استشراف المستقبل، كي يؤدي القانون دوره المجتمعي والتنموي بالكفاءة اللازمة، وليكون قادراً على التفاعل المرن مع تحولات البيئة التشريعية والاقتصادية والاجتماعية وفق استراتيجيات فعالة، تتعامل مع تلك الأدوات المؤثرة في تطوير الممارسات وتحسين جودة الخدمات القانونية المقدمة للأفراد والمؤسسات على حد سواء.
وتأسيساً على ذلك، فقد حرصت دائرة الشؤون القانونية لحكومة دبي في تحديث خارطتها الاستراتيجية التي أطلقتها خلال العام الجاري، على تطوير منهجيات عمل تهيئ لتمكين رؤيتها في التعامل مع مستجدات هذا الواقع المتغير، ودمج التكنولوجيا الحديثة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في عملياتها وخدماتها القانونية، ضمن ركائز أساسية عدة، من بينها دعم النضج القانوني الحكومي، وترسيخ الطرق البديلة للتقاضي، وتعزيز البيئة الداعمة للاستثمار والأعمال، بما يتوافق مع تطلعات القيادة الرشيدة في تحقيق أعلى مستويات التميز والريادة في العمل الحكومي، ويتماشى مع أولويات خطة دبي 2033.
إن تحقيق غايات التطوير ومستهدفات التميز واستدامته في مستقبل العمل القانوني مرهون بتبني أدوات المستقبل وفق رؤية استراتيجية تعمل على تهيئة وتطوير المقومات والممكنات التي تضمن أعلى درجات المرونة المؤسسية، ولا يقتصر ذلك على التعامل مع التحديات والاستجابة للمتغيرات فحسب، وإنما من خلال السعي إلى اغتنام الفرص التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، وتحويلها إلى محركات ابتكارية تدعم مساهمة القطاع القانوني في مسيرة التنمية الشاملة بالإمارة، وتوظيف كل أدوات التطوير الممكنة، وفق منظومة من الحوكمة المؤسسية، لتقديم قيمة مضافة لمختلف فئات المتعاملين لضمان توفير خدمات مبتكرة واستباقية وجاهزة للمستقبل. إننا، ونحن نشارك العالم في الاحتفاء باليوم العالمي للقانون، الذي يصادف الثالث عشر من سبتمبر من كل عام، نقف بكل اعتزاز وإكبار أمام جهود هذا الوطن الذي توفر قيادته الرشيدة كل مقومات الريادة والتطور في منظومته القانونية والعدلية، وترسم رؤيتها مسارات التقدم والنهضة الشاملة القائمة على أساس متين من سيادة القانون وترسيخ قيم العدالة، وصون الحقوق وحمايتها وفق أعلى معايير النزاهة والشفافية، إيماناً منها بأن احترام وإعلاء القوانين قيمة وطنية وحضارية وإنسانية.
