القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة يعيد تذكيرنا بجون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، فما هو القرار الذي اعتمدته الجمعية في 4 سبتمبر، وما علاقة المستشار بولتون بالقرار؟ أما القرار فكان وزير خارجية توغو، روبرت دوسي، قد تقدم به إلى الجمعية باسم المجموعة الأفريقية، وكان يدعو فيه إلى ما يلي: تصحيح خريطة العالم، وإعادة التوازن للتمثيل الخرائطي العالمي، وتعزيز التصوير العادل للمناطق، وخصوصاً قارة أفريقيا، وقد اعتمدته الجمعية العامة بأغلبية 164 صوتاً، وامتناع 6 أعضاء عن التصويت، واعتراض عضو واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا كان عدد أعضاء منظمة الأمم المتحدة في مقرها الأم في نيويورك يبلغ 194 عضواً، فالمعنى أن الجمعية العامة التي تضم كل دول العالم، قد انحازت للقارة السمراء بأغلبية كبيرة كما نرى من لغة الأرقام في التصويت، وفي الامتناع عنه وفي الاعتراض.
وما يمكن استشفافه من القرار أنه يعيد الاعتبار للقارة الأفريقية بمعنى من المعاني، لا بكل المعاني التي جاهد ويجاهد من أجلها الأفارقة في العموم.. فمن المستقر أن أفريقيا قارة مظلومة على مستوى تعامل منظمة الأمم المتحدة معها، رغم أن مساحتها تساوي مساحات الولايات المتحدة وأوروبا والصين معاً وتزيد.
هذا عن مساحتها الشاسعة الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً، ومن المحيط الهندي جنوباً إلى البحر المتوسط شمالاً، وبهذا المعنى فهي تمثل ناصية من أي جهة تطلعت أنت إليها، فهي ناصية مكتملة على المحيطين غرباً وجنوباً، وهي ناصية مكتملة أيضاً على البحرين شمالاً وشرقاً، ولا توجد قارة بين قارات الدنيا يمكن أن تزاحمها في هذا الباب.
أما عن الثروات الطبيعية والبشرية فلا سقف لها تقريباً ولا حدود، وهذا ما جعلها محل سباق لا يتوقف بين القوى الكبرى في العالم، فكانت الصين هي الأسبق إليها، ومن بعدها جاءت الولايات المتحدة وروسيا تتنافسان وتتسابقان على أرضها، ومن حول الدول الثلاث وربما قبلها، كانت فرنسا في القلب من القارة بحكم علاقة تاريخية قديمة.
هذه صورة بسيطة أو مبسطة للقارة الأفريقية التي لما اعتمدت الجمعية العامة هذا القرار الأخير بشأنها، عاد الحديث إليها وإلى قضاياها من جديد، ولو من باب إعادة التوازن للتمثيل الخرائطي العالمي كما قال البيان الصادر بشأن القرار، ولا بد أنها كقارة لها هذه المواصفات المشار إليها، قد أحست بأن الجمعية العامة قد ردت إليها شيئاً من الاعتبار.
أتحدث عن شيء من الاعتبار لأن القارة السمراء كانت ولا تزال ترى اعتبارها في أن يكون من نصيبها مقعد دائم في مجلس الأمن، وإلا فما معنى أن تقتصر العضوية الدائمة على الولايات المتحدة في أمريكا الشمالية، وفرنسا وبريطانيا في أوروبا، وروسيا في أوروبا وآسيا معاً، والصين في آسيا، ثم لا يكون لأفريقيا نصيب في عضوية المجلس؟
والغالب أن هذه المسألة ستكون الخطوة المقبلة وإنْ طال بها الزمان، والغالب أيضاً أن قرار إعادة التوازن سيكون بمثابة المدخل لما تريده أفريقيا في مجلس الأمن. أما بولتون الذي كان مندوباً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة أيام جورج بوش الابن، وكان مستشاراً للأمن القومي في أيام إدارة ترامب الأولى، فإنه قد جاء عليه وقت راح يسخر فيه من مبنى المنظمة في نيويورك الذي يرتفع 38 طابقاً، ثم يقول إن إزالة عشرة أدوار منها لن تؤثر عليها ولا على دورها حول العالم في شيء!
قال بولتون ذلك ساخراً من المنظمة الأم في العالم، ورآه البعض على حق وقتها، ثم أيده البعض الآخر بأثر رجعي أخيراً لما رأى غياب المنظمة عن القيام بدورها المنتظر في القضايا الكبرى والحروب المثارة، وإذا كان هذا هو رأي الفريقين، فإن قرار الجمعية العامة الأخير ينصف القارة السمراء أولاً، ويجدد الأمل في أن تعود الأمم المتحدة للنهوض بما هو معلق بها من مهام ومسؤوليات ثانياً.
