أهمية الانتخابات الأمريكية النصفية

تشهد الولايات المتحدة هذا العام انتخابات نصفية قد تكون مصيرية للخارطة السياسية الأمريكية، إذ تجرى انتخابات الكونغرس بمجلسيه كل عامين، بينما تجرى الانتخابات الرئاسية كل أربعة أعوام، بالتزامن مع انتخابات الكونغرس، والتي تنعقد في أول ثلاثاء من شهر نوفمبر في السنوات الزوجية.

وفي الانتخابات المقبلة، سيترشح 435 نائباً يمثلون كل الدوائر الانتخابية في جميع الولايات الأمريكية، بينما يتنافس المرشحون على 33 مقعداً (بالإضافة إلى مقعدين شاغرين)، وهو ما يمثل ثلث أعضاء مجلس الشيوخ المكون من 100 سيناتور، بواقع سيناتورين لكل ولاية.

وتجدر الإشارة إلى أن مدة ولاية أعضاء مجلس الشيوخ تبلغ ست سنوات، في حين تقتصر ولاية أعضاء مجلس النواب على سنتين فقط، لذا يتجدد ثلث مجلس الشيوخ انتخابياً كل عامين، بخلاف مجلس النواب الذي يعاد انتخابه كاملاً كل سنتين.

ومن نافل القول، إن المجتمع الأمريكي يعيش انقساماً حاداً، إذ بلغت حالة الاستقطاب ذروتها إلى حد عجزت معه المؤسسات الأمريكية عن التكيف معها، أو ربما اهترأت المؤسسات السياسية ووهنت، ففقدت قدرتها على رأب الصدع بين النخبة وعموم الناخبين.

وقد أجج الرئيس دونالد ترامب حالة التشرذم هذه، بل إنه يمثل في الأصل نتاجاً لهذا التفسخ السياسي، ومع ذلك، لم يعد داعموه من حركة «ماغا» (MAGA) يشكلون كتلة صلبة في ولايته الثانية، ويعود السبب في ذلك إلى الإحباط من سياساته التي ورطت الولايات المتحدة في صراعات خارجية في منطقة الشرق الأوسط.

حالياً، يسيطر الجمهوريون على السلطات الثلاث التي تشكل الحكومة الأمريكية؛ فالسلطة التنفيذية في يد الرئيس ترامب، ومجلسا الكونغرس (السلطة التشريعية)، يخضعان لسيطرة الجمهوريين بفارق ضئيل، كما يهيمن التيار المحافظ على السلطة القضائية بنسبة ستة إلى ثلاثة في المحكمة العليا.

لقد كانت الانتخابات في السابق أداة لتصحيح المسار السياسي إذا ما فقد بوصلته؛ فإذا جنحت الأوضاع نحو أحد الطرفين بشكل حاد، تأتي الانتخابات لضبط الاختلال، أو على الأقل لبناء الجسور بين الفرقاء، لتمثل الفيصل في الخلاف.

ولكن الانتخابات الحالية تجرى لتصدم توجهين كبيرين ومختلفين؛ لذا يرجح أن تكون محطة مفصلية، تحدد توجه الولايات المتحدة لسنوات عدة. فهل ستشهد البلاد ما يعرف بـ «إعادة صياغة التحالفات»، التي تبدل بنية القواعد الانتخابية؟ إن احتمال حدوث ذلك ضئيل، ولكن المفاجآت تظل دائماً من شيم السياسة.

وقد جرت العادة أن يخسر حزب الرئيس الانتخابات النصفية لمجلس النواب، لكن هذه القاعدة ليست حتمية؛ إذ احتفظ الرؤساء الديمقراطيون بالأغلبية في مجلس النواب لمدة أربعين عاماً متتالية (1955-1995).

واليوم، يتوقع المحللون أن حظوظ الديمقراطيين كبيرة لاستعادة سيطرتهم على مجلس النواب؛ حيث يضع موقع متخصص في تتبع التوجهات الانتخابية، توقعاً بنيل الديمقراطيين 232 مقعداً، مقابل 202 مقعد للجمهوريين، ما يمنح الديمقراطيين أغلبية مريحة.

أما مجلس الشيوخ —فبالإضافة إلى صلاحياته التشريعية المشتركة مع مجلس النواب— فإنه يتميز بصلاحية المصادقة على التعيينات في الأجهزة التنفيذية، العسكرية، القضائية، والدبلوماسية، ما يكسبه أهمية أعظم.

وتشير التوقعات الخاصة بهذا المجلس، إلى ميل الكفة لصالح الجمهوريين قليلاً، وإن كانت بعض القراءات تضع الديمقراطيين في خانة الأغلبية.

إن الانتخابات المقبلة ستحسم الكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وإذا ما فاز الديمقراطيون —كما هو متوقع— فإن الكثير من برامج الرئيس ترامب ستتعطل، وسيتحول سياسياً إلى ما يصطلح عليه بـ «البطة العرجاء».

كما أنه من المؤكد أن يوجه مجلس النواب للرئيس سيلاً من الاتهامات بهدف إدانته، وسيكون ترامب أول رئيس في التاريخ الأمريكي يتهم ثلاث مرات من قِبل مجلس النواب. ولكن، وبحكم المؤكد، فإن مجلس الشيوخ لن يتجه إلى إدانته وعزله.

والأهم من ذلك كله، أن الرئيس سيقضي جل وقته في الدفاع عن نفسه أمام هذه الاتهامات، بدلاً من التفرغ للحكم، ولن يستطيع القيام بالكثير لترك إرث سياسي يخلد اسمه تاريخياً، باستثناء مجموعة من المباني التي وضع اسمه عليها عنوة.