ربما تغيرت هذه المسافة في حياتنا دون أن ننتبه. لم يعد القرب من الآخرين مرتبطاً بالمكان كما كان من قبل. الهاتف اختصر المسافات، ووسائل التواصل جعلت الوصول إلى الآخرين أسرع وأسهل، حتى أصبحت بعض الأبواب التي كانت تحتاج إلى استئذان تفتح بمجرد ضغطة على شاشة.
فالعلاقات الإنسانية نفسها لا تقوم على درجة واحدة من القرب. الزميل ليس بالضرورة صديقاً، والصديق لا يصبح بالضرورة شخصاً يملك حق معرفة كل تفاصيل حياتك، والقرب العاطفي لا يلغي الخصوصية.
وحتى داخل الأسرة، تبقى للإنسان مساحة شخصية لا تلغيها صلة القرابة. المشكلة تبدأ عندما يتحول القرب إلى شعور بالامتلاك، وعندما تصبح الألفة مبرراً للتدخل، وكأن معرفتنا بالإنسان تمنحنا حق الدخول إلى كل ما يخصه. وأحياناً لا يكون التخلي عن هذه المسافة نابعاً من قناعة، بقدر ما يكون نتيجة لرغبة في القبول.
قد يتردد الإنسان في وضع حد لما لا يناسبه حتى لا يوصف بأنه معقد أو رجعي أو مختلف. ومع الوقت، قد ينتقل معيار السلوك من القناعة الشخصية إلى ما يرضي المحيط الاجتماعي.
وتظهر أبحاث علم النفس الاجتماعي كيف يمكن لرغبة الإنسان في الانتماء والقبول أن تؤثر في سلوكه، أحياناً بطريقة لا يلاحظها هو نفسه. والسؤال: هل نتصرف وفق ما نؤمن به، أم وفق الصورة التي نريد أن يراها الآخرون عنا؟
وفي المقابل، يحتاج الشاب إلى أن يفهم أن احترام الآخر لا يبدأ فقط عند سماع كلمة «لا»، وإنما يبدأ من القدرة على ملاحظة متى يصبح الاقتراب غير مريح، ومتى يكون التراجع هو التصرف الأكثر احتراماً.
وفي العالم الرقمي تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن الخصوصية لم تعد مسألة تتعلق بما نخفيه خلف أبوابنا فقط، بل أصبحت أيضاً مسألة وعي بكيفية تعاملنا مع ما يصل إلينا من حياة الآخرين، وما نصل إليه منها.
فالصورة التي تصلنا ليست ملكاً لنا لمجرد أننا استطعنا الحصول عليها، والمعلومة التي نعرفها لا تصبح قابلة للنشر لمجرد أننا نعرفها. هنا تحديداً تظهر مسؤولية المسافة من جانب آخر. فالحدود لا تحمينا من الآخرين فقط، وإنما تمنعنا نحن أيضاً من تجاوز مساحات من حولنا.
وكما نريد أن يُحترم ما نعتبره خاصاً، فاحترام خصوصية الآخرين هو الوازع الذي يدفعنا إلى التوقف عند المسافة التي لم يمنحونا حق تجاوزها.
وربما لهذا لا نحتاج إلى أن نصبح أكثر بعداً عن بعضنا، وإنما أكثر وعياً بطريقة اقترابنا. أن نكون منفتحين دون أن نتخلى عن خصوصيتنا، واجتماعيين دون أن يتحول حضورنا إلى تطفل، وقريبين من الآخرين دون أن نخلط بين القرب وامتلاك مساحتهم.
فالنضج في العلاقات لا يقاس بما نعرفه عن الآخرين، ولا بمدى قدرتنا على الاقتراب منهم، وإنما بقدرتنا على معرفة متى يكون القرب جميلاً، ومتى يصبح تجاوزاً، ومتى يكون التراجع هو الشكل الأصدق من أشكال الاحترام. فالنضج ليس أن تقترب مني، بل أن تعرف أين ومتى يجب أن تتوقف.
