«الرسائل» من الكتب الخالدة

جاء في الأقوال المأثورة، أن هناك أنواعاً متعددة من الكتب من حيث التأثير والخلود الفكري. سأختار نوعين اثنين منها لأشرح ما يحمله كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهو الجزء الثاني من كتابه السابق «علمتني الحياة».

النوع الأول من تلك الكتب: عادة ما ينتهي مفعولها بمجرد أن تقرأها وتعرف ما تحتويه من معرفة ومعلومات وحتى من الإبهار الفكري، وهذه النوعية من الكتب هي كمن يفتح شهيتك للقراءة ولكن لا يسد جوعك الفكري.

وغالباً ما تكون هذه النوعية من الكتب هي: الروايات بأشكالها المختلفة وإن كانت الروايات المترجمة بشكل خاص. وبشكل موضوعي هذا بحد ذاته فن من فنون الكتابة.

أما النوع الثاني: فهي ما تسمى بالكتب الخالدة التي تبقى حاضرة في أذهان الناس مهما تغيرت الظروف لأنها غير مرتبطة بزمن أو فترة معينة من التاريخ.

فهي إما أن الحاجة إليها تزداد مع مرور الزمن، أو لأن موضوعاتها تُخلد فلسفة أمة معينة استطاعت أن تغير مجرى التاريخ، فمثل هذه النوعية من الكتب يتم الرجوع لها كلما أراد أحدنا أن يعرف كيف يتم تحفيز أمة على النهوض، أو كلما أراد قائد أن يعرف كيف قامت حضارات إنسانية.

كتاب «الرسائل» ومعه الجزء الأول منه «علمتني الحياة» في تقديري يندرجان ضمن تلك الكتب الخالدة، فالجزءان يحملان خلاصة فكر سياسي وتاريخي واجتماعي لفلسفة أمة استطاعت النهوض الحضاري أبهرت العالم في مدة ليست بالقصيرة لا تتعدى الستة عقود فقط.

وللتأكيد على ما أقول، أقتبس من كتاب «الرسائل» المليء بالكثير من المقولات والحِكم كلها لخصت تجربة الشيخ محمد بن راشد التنموية جملة مما قاله سموه: «‏كتبت الرسائل لأن الأعمار تُطوى.. لكن الأفكار تكبر وتبقى».

هذه التحفة التاريخية الخالدة مما حمله هذا الكتاب تحمل دلالة فكرية وفلسفة إنسانية عميقة المعنى تتمثل في أن الإنسان قد يغادر المكان ولكن الأثر أو الأفكار تبقى تخلده وهذه الأفكار يمكن البناء عليها ليس من أجل الاستمرار بالفكرة نفسها ولكن من أجل التطوير والتجويد فيها.

فالحضارات الإنسانية كما يمكن فهمها من تلك الجملة هي مجموعة من التفاعلات الإنسانية الإيجابية يتم الإضافة عليها، ولعل ما فعلته دولة الإمارات على مدى أكثر من خمسة عقود أنها استفادت من تجارب نهضوية للآخرين وبنت تجربتها الخاصة بها.

الكتابان سجل تاريخي توثيقي لتجربة تنموية ألغت كلمة «مستحيل»، وهذا وحده سبب كافٍ لأن يُصنف من الكتب التي تجعل الناس يرجعون لها فقصة النهوض بدولة الإمارات ليست سهلة كما يمكن الاعتقاد.

فكيف إذا ما عرفت أن أعظم إنجازات الإمارات تم تحقيقها في ظل التحديات والأزمات التي يعتبرها البعض مبرراً موضوعياً لعدم النجاح والفشل، في حين أن الإمارات حولت تلك الأزمات إلى فرص.

فكلنا يتذكر كيف تعاملت الإمارات مع الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، وكذلك خلال أزمة كورونا التي توجت بنجاحات بين النجاح الاقتصادي وبين إدارة أكبر أزمة مرت عليها الإنسانية. السر في ذلك يرتكز على: إرادة الإنسان ووجود رؤية قيادية للطموحات المراد تحقيقها.

«علمتني الحياة» و«الرسائل» ليسا عملاً تنظيرياً من قاعات المكاتب، بل هما حصيلة تجربة واقعية كبيرة، وهما نتيجة عمل ميداني ضخم زاخر بمراحل وخطوات النهوض التنموي الإماراتي. والكتابان يضمان محركات العزيمة على التقدم وعدم الاستسلام والتي حفزت القيادة الإماراتية على التميز والاختلاف في تحقيق شمولية التنمية لكل مناحي الحياة آخرها في قدرتها على الردع وصد العدوان الإيراني وحماية سيادة الإمارات ومكتسباتها. الكتابان ليسا نهاية المطاف في التفكير الإماراتي النهضوي بل سيكونان مرجعين للأجيال، وهما ملهمان لكل قائد يريد أن ينهض بأمته من حيث التخطيط الاستراتيجي للمستقبل.