قوة الإحصاءات الوطنية

استوقفتني مفارقة أظهرت أن المملكة المتحدة «الجزيرة» المحاطة بالبحار من كل جانب ما زال بعض أفراد الأقليات فيها لا يجيدون السباحة لمسافة 25 متراً من دون مساعدة! ويبدو أن هاجس وفاة نحو 1500 شخص في حادثة غرق تايتانيك (أعظم سفينة بحرية) عام 1912، ما زال حاضراً في الذاكرة البريطانية.

وبحسب تقرير «بي بي سي» فإن بيانات «سويم إنغلاند» تشير إلى أن 67 في المائة من النساء ذوات البشرة السمراء و44 في المائة من الرجال السمر لا يستطيعون السباحة لمسافة نصف طول مسبح أولمبي. وينطبق ذلك على سائر الأقليات بدرجة أو بأخرى.

المفارقة أن سجلات «تايتانيك» القديمة نفسها تكشف قوة الإحصاء البريطاني، فبعد أكثر من قرن على غرقها، ما زلنا نعرف أعداد ركابها ودرجات سفرهم، وأعمارهم، وجنسياتهم، بل ونسب النجاة من كل فئة.

وهذه إحدى «فضائل» الإحصاء التي لا نلتفت إليها كثيراً، فهو ذاكرة وطنية تحفظ صورة المجتمع والاقتصاد في شتى الحقب الزمنية، وتكشف لمن سيأتي بعد عقود كيف تغير الناس وأنماط حياتهم وكيف نمت قطاعات واندثرت أخرى، وكيف تطورت الأسواق والمهن والخدمات وتغيرت مصادر الدخل وأوجه الإنفاق.

في المملكة المتحدة، يمكن أن تعرف، مثلاً، كم فنجان قهوة يشرب البريطانيون، وكم ساعة يقضون على الإنترنت، وكيف يتنقلون إلى أعمالهم، وحجم إنفاق الأسر على الطعام والترفيه، ومعدلات ممارسة الرياضة والسباحة، وعدد الرحلات التي يقوم بها الفرد سنوياً، ومتوسط الوقت الذي يستغرقه للوصول إلى عمله، ونسبة من يعملون من المنزل.

ويمكن أيضاً معرفة عدد الكتب التي يقرؤها البريطانيون، وحجم ما تهدره الأسر من طعام، ومعدلات امتلاك السيارات، ونسب التدخين، ومتوسط ساعات النوم، بل وحتى حجم الإنفاق على الحيوانات الأليفة.

غير أن قيمة الإحصاء لا تكمن في طرافة معرفة هذه التفاصيل، بل فيما يمكن أن تقودنا إليه من قرارات.

فيمكن معرفة أين يسكن الناس، وكيف ينفقون، وإلى أين ينتقلون، وأعمارهم وأعمالهم، وكل ذلك يساعدنا على تحديد أين يمكن أن تُبنى مدرسة أو مستشفى أو مسجد وأين يحتاج الطريق إلى توسعة، وأي منطقة تصلح لمتجر أو مطعم أو مشروع سكني.

فالبيانات تقلص مساحة التخمين في القرار، وكلما زادت دقتها أمكن توجيه الأموال والموارد إلى وجهتها الصحيحة.

وكثير من هذه البيانات يُحدّث دورياً ويمكن الوصول إليه بسهولة، ما يجعلها مورداً مهماً للباحثين والمهتمين وأصحاب الأعمال، خصوصاً عند إعداد دراسات الجدوى، وفهم سلوك المستهلكين، أو التخطيط للتوسع في أسواق ومناطق جديدة. ولدى مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني ONS وغيره أطنان من المعلومات الرقمية القيّمة لكل متخذ قرار.

وهنا تتضاعف قيمة المعلومة، فالدولة تجمعها مرة، لكن آلاف الشركات والباحثين يمكنها إعادة استخدامها مرات لا تحصى لإنتاج قرارات ودراسات ومشروعات جديدة.

كما أن قوة الإحصاء الوطني عالمياً لا تقاس بكثرة الأرقام وحدها، بل بمقدار الثقة فيها واستقلاليتها وسهولة الوصول إليها. ولهذا يقوم الإحصاء البريطاني على ثلاثة مبادئ واضحة هي الثقة والجودة والقيمة. فالرقم الذي لا يثق فيه الناس يفقد كثيراً من قيمته.

البلدان لا تتقدم لأنها تعرف كل شيء، بل لأنها تحرص على قياس ما تريد معرفته. وهذا بيت القصيد. وهناك معلومات لا يحتاجها القطاع العام بقدر حاجة القطاع الخاص إليها، لأنها تجّود قراراته.

وكلما كانت القرارات مبنية على أرضية رقمية صلبة، توسعت أعماله وتمكنت بلدان العالم من الاستفادة من عوائده عبر الضرائب وغيرها، فضلاً عن استفادة المجتمع ككل من خدماته. وكما تقول المقولة الإدارية الشهيرة: «ما لا يمكن قياسه، يصعب إدارته».