شهدت الساحة الفنية المصرية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات بزوغ نجم العديد من الأصوات الجميلة التي تنبأ لها النقاد بمستقبل عظيم، وباحتمال منافستها لعبدالحليم حافظ على عرش الأغنية الرومانسية.
كان من أوائل تلك الأسماء المطرب الوسيم صاحب الصوت العذب كمال حسني، الذي حورب وحاصرته الشائعات المغرضة فقرر اعتزال الغناء ومغادرة مصر إلى بريطانيا، وتلاه آخرون كمحرم فؤاد وماهر العطار وعبداللطيف التلباني ومحمد رشدي وعماد عبدالحليم، ثم هاني شاكر.
ربما باستثناء محرم فؤاد وهاني شاكر، فشل الآخرون في الاستمرار طويلاً لأسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، فمن بعد عدد من الأغاني التي لاقت صدى جيداً وانتشرت انتشاراً واسعاً داخل مصر والبلاد العربية، راح نتاجهم يقل تدريجياً إلى أن خفت بريقهم وغابت صورهم عن المشهد الفني.
غير أن واحداً منهم، وهو المطرب الوسيم ذو العينين الخضراوين عبداللطيف التلباني، كاد أن يواصل مشواره بعد أن حقق نجومية سريعة من خلال عدد من الأغاني من ألحان ملحنين عمالقة، لولا وفاته في ظروف غامضة، عن عمر ناهز 53 عاماً.
في ذكرى فقده في شهر يوليو من كل عام تعود التساؤلات حول رحيله المفاجئ الذي لا يزال لغزاً تدور حوله الأقاويل، خصوصاً وأن الرواية الرسمية تختلف كلياً عن رواية فجرتها شقيقة زوجته.
ولد عبداللطيف عبدالله التلباني في 10 يونيو 1936 بمحافظة الشرقية لأب من خريجي كلية دار العلوم، كان يطلق عليه لقب شيخ ويعمل بالتربية والتعليم، وكان ميلاده بين 10 إخوة ترتيبه الثالث بينهم.
وتميز في طفولته بالوسامة الشديدة والهدوء والاجتهاد. بعد حصوله على التوجيهية التحق بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، حيث ظهرت موهبته في الغناء والعزف من خلال النشاط الموسيقي للكلية وحفلاتها.
وبعد تخرجه عام 1957 أدى الخدمة العسكرية في القوات البحرية بالإسكندرية، ثم درس في معهد الموسيقى/ قسم الأصوات، فتعلم العزف على العود وغيره.
نقطة التحول في حياته كانت في عام 1957، حينما تقدم لامتحانات اختيار مطربين جدد بإذاعة الإسكندرية، فاجتاز تلك الاختبارات بنجاح وتم اعتماده مطرباً في الإذاعة المصرية، لينتقل إلى القاهرة ويبدأ مشوار النجومية الحقيقية من بعد سنوات كان يؤدي فيها الغناء في مقاهي وكازينوهات الإسكندرية. وكانت البداية من إحدى حفلات أضواء المدينة، حيث قدمه الإذاعي المشهور جلال معوض، معلناً ميلاد موهبة طربية كبيرة.
كان ذلك كفيلاً بلفت أنظار الملحنين والشعراء الغنائيين له، فلحن له الموجي أغنيته الوطنية «من فوق برج الجزيرة» ثم «سك الشباك» فأغنية «على بياعين العنب».
كما لحن له أغنيته الأشهر التي انتشرت كالنار في الهشيم بين الشباب في الستينيات وهي «اللي روحي معاه» من كلمات عبدالسلام أمين. بعدها لحن له حلمي أمين أغنية الفرح والنجاح «إفرحوا يا حبايب لفرحنا». ولحن له محمد فوزي أغنية «خفة دمك»، ولحن له بليغ حمدي أغنية «عيونها الحلوة».
أما رياض السنباطي فلحن له أغنية «همسة حايرة»، وفريد الأطرش أغنية «الكلمة الحلوة اتقالت»، وسيد مكاوي أغنية «يا بحر يا أحمر وسعيد».
شهرته الغنائية شجعت مخرجي السينما على إقناعه بالتمثيل، فمثل خمسة أفلام خلال الفترة من 1964 إلى 1984. لم يحقق أي منها نجاحاً مدوياً. في صباح يوم 12 يوليو عام 1989، ذهب عدد من جيرانه في مسكنه بحي المهندسين لتهنئته بحلول العيد، فلم يفتح لهم أحد الباب، وبعد طرق الباب كثيراً، اضطر الأهالي لكسر الباب، ليجدوا الفنان الراحل مذبوحاً هو وابنته الصغيرة شيماء وزوجته، بحسب تصريحات لشقيقة زوجته نشرتها مجلة الكواكب سنة 1989.
أما الرواية الرسمية فتقول إنه عثر على جثته مع ابنته وزوجته وقد بدأت تتحلل بعد 3 أيام من وفاتهم داخل شقتهم مختنقين بسبب تسرب الغاز.
وفي التفاصيل أن شيماء الصغيرة قامت بإعداد العشاء لنفسها ففتحت الفرن بعد أن كسرت مفتاح الغاز في المطبخ، ما أدى إلى تسرب الغاز وإصابتها بالدوار وسقوطها على الأرض. والظاهر أن الأم حاولت مساعدتها لكنها لم تستطع فسقطت مختنقة في الصالة، أما التلباني فقد عثر عليه ميتاً بين سريرين.