وتأتي بعد الرسالة الأولى الّتي وجّهها إلى صاحب السمو الشيخ محمّد بن زايد آل نهيّان، رئيس الدولة، حفظه الله، وكلتا الرسالتين وما سيتلوهما من الرسائل هي عُصارة فكر صاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد وخلاصة تجربته في هذه الحياة الميمونة الّتي أنفق منها 60 عاماً في العمل العام وخدمة الوطن وبناء الإنسان.
وهي تجمع على نحو فريد بين عمق الخبرة وصدق العاطفة لتُذكّرنا بتلك النماذج الأدبيّة الباهرة الّتي وصلت إلينا في تراثنا المجيد.
وهو ما تجلّى واضحاً في هذه الرسالة الأبويّة الرائعة الّتي كتبها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بمداد العاطفة والخبرة والحكمة والعزيمة الصادقة على أن يظل الأبناء امتداداً صادقاً للآباء الّذين ورثوا هذه الأمجاد وصانوها ورفعوا بناءها، وسيعهدون بها إلى الأبناء الشجعان الّذين يحملون هذه الأمانة بكلّ ثقة ووعي واقتدار.
في قلب والده بشكل خاص، وفي قلب وطنه وشعبه والحياة بشكل عام، لتندفع الرسالة بعد ذلك من خلال عاطفة بديعة تُجسّد أرقى معاني الفخر ومعايير الشرف الّتي ينظر بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الوالد الكبير لولده الّذي كان وما زال وسيبقى سهمه الرابح الّذي راهن عليه منذ بواكير حياته.
فجاء حمدان سابقاً كما يريد الوالد ويتمنى، لينثر علينا صاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد معايير الفخر الّتي تتجلّى في محبة الناس لوليّ عهده وتواجده في مجالسهم وقربه من إيقاع حياتهم وتلمسّه لاحتياجاتهم ورحمته للضعيف والصغير.
وهو ما يراه كلّ مواطن يعرف أخلاق سمو الشيخ حمدان بن محمد الّذي نغبطه أحياناً على هذه الرُّوح النادرة الّتي تجمع بين الهيبة والشجاعة، وبين البساطة والمرح والتواضع وملاطفته لكلّ إنسانٍ يصادفه، وهي صفاتٌ موروثة تحدّرت إليه من الجبال الصِّيد من آل مكتوم الكرام الّذين يتميزون بالتواضع وكرم الأخلاق وهيبة الفرسان.
فهو اللّين من غير ضعف، والحازم من غير عنف، ولا يتوقّف عطاؤه عند العمل العام، بل هو شخصية ملهمة للشباب في جميع مستوياتهم، وكيف لا يكون ذلك كذلك وسمو الشيخ حمدان من عُشّاق القوّة والرياضة ومن فرسان الخيل الشجعان.
فهذه هي الفروسيّة الّتي ينظر إليها الشباب الباحث عن نموذج مُلهم ليكون سمو الشيخ حمدان هو ذلك الرجل الّذي ينظر إليه الشباب بكلّ إعجاب وإكبار.
فليس كلّ الناس يظفر بهذه المحبة الصادقة من الناس، ولذلك وجّه إليه بعض النصائح الّتي تعلّمها سموه من تجارب الحياة، وخصوصاً فيما يتعلّق بالحكم وإدارة شؤون الناس والبلاد، مؤكّداً له أنّ الناس تحتاج إلى حاكم يسمع قبل أن يحكم، ويرحم قبل أن يُعاقب، ويعطي قبل أن يُسأل، ويصل الناس قبل أن يُوصل، وهذا يعني شيوع روح العدل بين الناس.
لأنّ الدولة ما قامت إلا على هذا الأساس المتين الّذي سيظلّ هو صمام الأمان لمسيرتها، لأنّ البلاد لا تضيع حين يكون العدل ميزانها، والرحمة عنوانها، وسيادة القانون فضيلتها الّتي لا تحيد عنها.
والصادق ناصح، والنصيحة المؤلمة خير من الوهم الزائف، وكم سقطت من عروش وانهارت من دول حين كان الحاكمُ فيها مُحاطاً بالمنافقين والمخادعين الّذين يزيّنون الأخطاء ويُخفون الحقائق، ويقيمون جداراً بين الحاكم وشعبه حتى يسقط الجدار ويسقط الحاكم وتسقط البلاد كلها.
